الحركات الاحتجاجية الجيدة في زمن العولمة.

 

جورج طرابيشي

الاستغلال الرأسمالي لم يعد موضوع احتجاج الحركات الجديدة ، بل الاستبعاد من هذا الاستغلال

أول ما يلفت النظر في الحركات الاحتجاجية الجديدة طابعها اللامنتظر. فالعقد الذي رأت فيه النور، عقد التسعينات من القرن العشرين، كان قابلاً للوصف بحق بأنه عقد التسطيح الاجتماعي فقد كانت الطبقة العاملة، الركيزة الكلاسيكية لظاهرة الاحتجاج، قد شرعت بالانطفاء مقابل تضخم الطبقات الوسطي غير المعنية، بحكم وسطيتها بالذات، بالصراع الاجتماعي.

وكانت المنظمات النقابية التقليدية، حاضنة الصراع الطبقي، قد شرعت بالأفول إذ فقدت في الربع الأخير من القرن العشرين أكثر من نصف الأعضاء المنتمين إليها، وتقلصت نسبة المنتسبين من العمال إلي النقابات إلي اقل من 10 في المئة من جملة اليد العاملة في نهاية القرن. كما تراجعت في الوقت نفسه حركات الإضراب، فتقلص عدد المضربين، في بلد متقدم صناعياً مثل فرنسا، من مليوني مضرب في السنة في السبعينات إلي مئتي ألف مضرب في التسعينات.

لكن مقابل خبو الطبقة العاملة وتنظيماتها النقابية كانت شرعت بالتطور ركائز جديدة للنقد الاجتماعي تتمثل بـ الأقليات الناشطة الجديدة التي تضم أشتاتا غير قابلة للحصر من البيئويين والنسويين والجنسيين والمثليين وأنصار حقوق الإنسان ومناهضي العولمة، فضلاً عن تضخم غير مسبوق إليه في عدد الرابطات والجمعيات الناشطة في حقول هامشية وجزئية، حتى بلغ تعدادها في بلد مثل فرنسا نحواً من 900 ألف رابطة وجمعية، مما يعني أن واحداً من كل ستة فرنسيين بات ينتظم - بصورة طوعية - في إطارها.

وبالتوازي مع هذا التحول في بنية الطبقة العاملة وتنظيماتها النقابية حدث تحول انقلابي في الاتجاه الاجتماعي الجديد. فموضوع هذا الاحتجاج لم يعد الاستغلال الرأسمالي، بل الاستبعاد من هذا الاستغلال.

فالضحايا الذين تنشط باسمهم الحركات الاحتجاجية الجديدة هم الذين صاروا يعرفون باسم البدون أي الذين هم بدون عمل أو بدون منزل ثابت أو بدون أوراق من المهاجرين اللاشرعيين. ففي فرنسا وحدها ارتفع عدد العاطلين عن العمل في آخر عقود القرن العشرين الي أكثر من ثلاثة ملايين كما ارتفع عدد الذين لا يتمتعون بعمل ثابت الي نحو من أربعة ملايين، علي حين ان تعداد الطبقة العاملة، بالمعني الصناعي الكلاسيكي للكلمة، ما عاد يتجاوز 6.3 مليون عامل، اي نحواً من 27 في المئة من جملة قوة العمل. كما ان عدد الذين لا يعيشون تحت سقف منزل ثابت قد زاد في عام 1999 علي 700 الف شخص، إضافة الي أربعة ملايين شخص آخر لا يعيشون تحت سقف منزل لائق .

اما من هم بدون اوراق او يعملون بصورة لامشروعة من المهاجرين فقد قدرت تقارير وزارتي الداخلية والعمل الفرنسيتين تعدادهم بما لا يقل عن 300 الف. ومن هنا التحول في الحركة المطلبية وتبني الحركات الاحتجاجية الجديدة لشعارات انسانية اكثر منها طبقية : الحق في العمل، الحق في المسكن، الحق في الكرامة الإنسانية… الخ.

وقد اقترن ذلك كله بتحول في تقنية الاحتجاج. فخلافاً لمنطق الكرامة الطبقية الذي ميز الحركات الاحتجاجية القديمة ذات المنزع العمالي، فان الاحتجاجيين الجدد لا يترددون في ان يعرضوا الضحايا الذين ينشطون باسمهم، وفي ان يعرضوا آلامهم وعذاباهم وينشروها علي الملأ من خلال وسائل الإعلام. فما دامت الحركات الاحتجاجية الجديدة تخاطب الرأي العام مباشرة، وليس البرلمان او قادة الاحزاب السياسية، فليس أمامها من خيار آخر سوي عرض بؤس الضحايا الي حد استثارة الشعور بالفضيحة. فلم يعد المطلوب التوعية كما في ازمنة النضال الطبقي والنقابي بل تحريك الضمائر . فغائية الحركات الاحتجاجية الجديدة أخلاقية أكثر منها سياسية. وهي تسعي الي اثارة الانفعال اكثر منها الي تكوين الوعي الإيديولوجي، والي استثارة الشفقة أكثر منها الي بناء التضامن الطبقي.

ومن هنا اصلاً الطابع الاستعراضي او حتي النجومي، لتظاهراتها. فخلافاً لمنطق الغفلية الطبقية لحركات الاحتجاج القديمة التي كانت تقدم الجماهير علي الأشخاص ، فان حركات الاحتجاج الجديدة، التي تضع رهانها التكتيكي علي الصورة المتلفزة اكثر منها علي الشارع تفسح مكاناً واسعاً في صفوفها للنجومية. وعلي هذا النحو فان من يتصدر التظاهرات الاحتاجية ليس القادة الحزبيين وزعماء النقابات، بل مشاهير من نجوم السينما والإعلام والأدب.

بل ان الحركات الاحتجاجية الجديدة باتت تفرز هي نفسها نجوميين خاصين بها، نظير الأب بيار مؤسس حركة عمواس، او جوزيه بوفيه مؤسس الاتحادية الفلاحية ، أضف الي ذلك ان التظاهرات الاحتجاجية غالباً ما تتخذ طابعاً استعراضياً بهدف ممارسة الإغراء لا علي الرأي العام وحده، بل كذلك وأساسا علي وسائل الإعلام السمعية - البصرية. فمنظمة آكت آب ACT UP علي سبيل المثال، وهي منظمة تضم في عضويتها الحاملين الايجابيين لجرثومة الايدز ، خلقت حدثاً مشهدياً حقيقياً برسم الصحافة المتلفزة عندما جلّلت المسلّة الفرعونية المنتصبة في ساحة الكونكورد في العاصمة الفرنسية بواقٍ (كابوت) عملاق للوقاية من الإمراض التناسلية. وكذلك فعل أعضاء الاتحادية الفلاحية عندما قاموا بتحطيم سلمي لمبني كان قيد الانشاء لسلسلة مطاعم ماكدونالدز . اما أنصار منظمة الحق في السكن فلم يترددوا في احتلال مجموعة من المساكن الخاوية في حي سان جيرمان الانيق وأسكنوا فيها عشرين عائلة من الفقراء والمهاجرين الإفريقيين.

ومن دون ان تقاطع الحركات الاحتجاجية الجديدة الإشكال التقليدية للاحتجاج من قبيل العرائض والتظاهرات والسلاسل البشرية، فانها تخترع اشكالاً جديدة تتعدي حدود الشرعية، ولكن من دون ان تخرقها خرقاً فاضحاً. وعلي هذا النحو تكرر اكثر من مرة احتلال الاحتجاجيين لمداخل المترو او لبوابات العبور في الاوتوسترادات لتمكين الركاب او سائقي السيارات من المرور بدون دفع الرسوم، كذلك فان المتضررين من المزارعين او من مربي المواشي يلجأون بشكل دوري الي اعتراض سبيل الشاحنات الناقلة للفواكه او اللحوم من اقطار مجاورة رخيصة التكلفة ويفرغون حمولتها في عرض الطرقات العامة. وقد ابتكرت منظمة أبيس المعنية بالدفاع عن حق العمل للعاطلين عنه، شكلاً جديداً للاحتجاج علي غلاء الأسعار وزهادة الاجور بتنظيم غزوات للسوبرماركت والإيعاز لأنصارها بملء عربات اليد بالبضائع والخروج بها بدون دفع الثمن.

ولئن تكن حركات الاحتجاج القديمة قد عرفت ساعة مجدها مع تطور الصحافة المطبوعة والمناشير التي توزع باليد فان الأداة التقنية الاولي لحركات الاحتجاج الجديدة هي، بلا أدني شك، الانترنت.

فقد عرف الاحتجاجيون الجدد كيف يحولون هذا الجهاز الي اداة نضالية ممتازة تتيح لهم التواصل والتعبئة واختراق جميع حواجز الرقابة. ومشهورة هي، من هذا المنظور، الحملة الانترنتية التي نظمتها الاميركية جودي وليامز عام 1992 من اجل تحريم الالغام المضادة للافراد والتي كان من نتيجتها تعبئة الف منظمة غير حكومية عبر العالم بأسره وإقرار هيئة الأمم المتحدة لمعاهدة دولية بهذا الخصوص والفوز بجائزة نوبل للسلام عام 1997.

ومنذ هذه البادرة غدا الانترنت الناطق العالمي بلسان حركات الاحتجاج الجديدة. فميزة هذا الجهاز الإعلامي انه عديم الكلفة وفوري النتائج وله، فضلاً عن ذلك، ميزة اخري: فهو يساعد علي تنمية الديموقراطية الداخلية في العلاقات بين المتحاورين من خلاله. فهو يعمل عن طريق الشبكة الافقية، لا عن طريق التسلسل الهرمي العمودي، ومن ثم فهو يغني عن وجود قيادة مركزية تحتكر القرار كما يغني عن وجود مفوضين يمثلون غيرهم، ويتكلمون باسمهم. وبتخطّيه الحدود القومية والرقابية فان قدرته التعبوية تبدو لامحدودة. فحملة يوبيل العام 2000 استطاعت تجميع 18 مليون توقيع علي عريضة تطالب بالغاء ديون العالم الثالث. وقد تجلت هذه القدرة التعبوية اللامحدودة في تظاهرات مناهضة العولمة التي تمكنت من حشد 40 ألف متظاهر في قمة سياتل عام 1999 و200 ألف متظاهر في قمة جنوي عام 2001.

وعن طريق الانترنت دوماً امكن لحركة مناهضة العولمة ان تنظم قمماً مضادة علي نحو ما جري في مدينة نيس في كانون الاول (ديسمبر) 2000، وفي مدينة دافوس في كانون الثاني (يناير) 2001 حيث امكن لاربعة آلاف مندوب قدموا من 120 بلداً في العالم ان يجتمعوا في اطار الندوة الاجتماعية العالمية ليتداولوا ويبحثوا من خلال ورشات العمل في المصائب الاخلاقية للعالم المعاصر ولتوزيع اكثر عدلاً لثرواته ولفتح المنافد امام بلدان الجنوب للمشاركة في انتاج هذه الثروات واستهلاكلها.

الحركات الاحتجاجية الجديدة تمثل، إذاً، في برامج وطرائق عملها وتظاهراتها المهرجانية دينامية مبتكرة. فليس وراء هذه الحركات كتل بشرية هائلة، بل أقليات قابلة للوصف بأنها نخبوية. ولكنها لهذا السبب بالضبط شديدة الفاعلية. وبصرف النظر عن الانتصارات او الإخفاقات الجزئية في كل مجال علي حدة، استطاعت الحركات الاحتجاجية في جملتها، في مطلع القرن الحادي والعشرين هذا، ان تثبت كذب نبوءات بعض المتفلسفين الإعلاميين عن نهاية التاريخ وعن نهاية الصراع الاجتماعي. ومهما قيل عن التشنج الإيديولوجي لهذه الحركات وعن طوباوية برامجها، فلا مجال للشك في انها استطاعت ان ُتحدث قلقلة في المؤسسات العالمية وان تخرق الحواجز المتكلسة لليسار الحزبي والنقابي التقليدي وتوفر أقنية تعبير جديدة للمجتمع المدني وتؤسس نوعاً من اممية ضميرية للعالم المعاصر، مُحضرةً الي مسرحه الغائبين الكبار عنه: المستضعفين في بلدان الجنوب، والمهمشين والأقلويين في مجتمعات الشمال. ورغم عدائها المعلن للعولمة، فانها تبقي من افراز العولمة ذاتها، ولعل طموحها الحقيقي هو ان تمثل الوجه الأخلاقي لهذه العولمة.

الحياة