الأمـــــة .. والعصبية القومية
جاد الكريم الجباعي
"إن مذهباً من المذاهب لا يصير فاعلاً، أي لا يتحول إلى نابض عمل، إلا بأن يصير أعمى"
تيين Taine
صعود "الطبقة الثالثة"، البرجوازية، في شمالي أوروبا ووسطها، كان بداية تفسخ النظام الإقطاعي القديم، نظام المراتب والامتيازات والتبعية والولاءات الشخصية، وبداية تشكل الأمة / الأمم الحديثة. الطبقة الثالثة هي طبقة الأعمال الخاصة التي تسند المجتمع: زراعة وصناعة وتجارة ومهن علمية ومهن حرة، وصولاً إلى الأعمال المنزلية الأقل تقديراً، إزاء النبلاء والإكليروس، المتبطلين وذوي الامتيازات. الطبقة الثالثة بحسب الأب سييس (1748 – 1826) كانت 19 من عشرين، لذلك وصفها بأنها "أمة تامة". إذ ما الأمة سوى "أعمال خاصة ووظائف عامة"؟ يقول الأب سييس: "من سيجرؤ إذاً على القول إن الطبقة الثالثة ليس عندها كل ما يلزم لتشكيل أمة بتمامها؟ إنها الرجل القوي والمتين الذي ما زالت إحدى ذراعيه مقيدة. إذا رفعنا الصف ذا الامتيازات لن تكون الأمة شيئاً ما أقل، بل شيئاً ما أكثر. هكذا فما هي الطبقة الثالثة؟ كل شيء، ولكن، معوق ومضطهد. ما ذا تكون بدون الصف ذي الامتياز؟ كل شيء، ولكن، حر ومزدهر، لا شيء يمكن أن يسير بدونها، كل شيء يسير على نحو أفضل إلى ما لا نهاية بدون الآخرين"، أي بدون النبلاء والإكليروس[1]. ولا نظن أن الأب سييس كان يعني أشخاص النبلاء وأعضاء الإكليروس، بل نظام النبالة والنظام الإكليركي، أي نظام الولاية على البشر والوصاية على عقولهم وضمائرهم.
يجب أن نلاحظ هنا على الفور أن تفسخ البنى التقليدية وانحلالها هو الشرط الموضوعي الأول لتشكل الأمة الحديثة وقيامها، وإن كان تعييناً أول، وكل تعيين هو سلب. والشرط الموضوعي الثاني، المرتبط بالأول ارتباطاً سببياً، هو ازدهار "الأعمال الخاصة"، وانعتاقها من ربقة السلطة الحصرية، التي كانت تحتكر كل شيء، أي بداية تشكل المجتمع المدني. أما الشرط الرئيس الثالث فهو تناسب الوظائف العامة وتوافقها مع الأعمال الخاصة؛ وهو شرط ذاتي. اجتماع هذه الشروط الثلاثة يعني أن الأمة الحديثة هي وحدة المجتمع المدني والدولة السياسية الحديثة وحدةً جدليةً مفتوحةً على النمو والتقدم. المجتمع المدني (الأعمال الخاصة) والدولة السياسية (الوظائف العامة) هما معاً "كلية عينية" هي الأمة الحديثة. أما المناخ الذي تجري فيه عملية التشكل فهو مناخ الحداثة، البيئة التي تجري فيها عملية تشكل الأمة الحديثة هي بيئة الحداثة والتمدن، التي تنضج الشروط الموضوعية والذاتية وتجعل منها شروطاً كافية لتشكل الأمة.
سيقول قائل: إن الأمة مخلوق برجوازي. هذا قول ينطوي على نصف الحقيقة، نصفها الآخر أن الأمة نتاج ثورة غيرت زاوية نظر الإنسان إلى العالم وإلى الطبيعة وإلى نفسه، وغيرت من ثم بنية العمل البشري والإنتاج الاجتماعي، أعني الثورة الصناعية، وهي بالقدر ذاته نتاج تشكل نمط إنتاج حديث وثوري هو نمط الإنتاج الرأسمالي، ونتاج صعود الطبقة الثالثة (البرجوازية) التي حملت مشروع ثورة سياسية هي الثورة الديمقراطية، التي ستكون الثورة الفرنسية بدايتها الأولى. في أساس هذا كله ثمة النهضة الفكرية والفنية وتقدم العلوم واندماجها بالعمل، ثمة ثورة كوبرنيكية على كل صعيد. هذه جميعاً هي سمات المناخ الذي نشأت فيه الأمة الحديثة أو البيئة التي نشأت فيها. لم يكن ممكناً لثورة سياسية معزولة عن عملية النهوض الشاملة التي وصفناها أن تفضي إلى تشكل أمة حديثة، كما افترض المفكرون العرب، بل كما توهموا. الأمة الحديثة هي خلاصة سياسية وأخلاقية للثورة الصناعية ونمط الإنتاج الرأسمالي والثورة الديمقراطية، بالتلازم الضروري. ذلكم هو منطق الواقع ومنطق التاريخ. ولنقل بعبارة أخرى إن تشكل الأمة الحديثة هو أحد أهم مظاهر الحداثة. الأمة الحديثة، مرة أخرى، كلية عينية حداها الجدليان هما المجتمع المدني (البرجوازي) والدولة الحديثة، الدولة السياسية أو الدولة الوطنية. الأمة هي الوجه المجرد للكل الاجتماعي؛ وجودها العياني المباشر هو المجتمع المدني، ووجودها العياني الموسط أو غير المباشر هو الدولة. اقتران الأمة بالمجتمع المدني من جهة وبالدولة السياسية من جهة أخرى ليس افتراضاً نظرياً فحسب. في الواقع حلت الأمة محل الملك عند تأسيس أول جمعية وطنية تأسيسية عام 1789، أي إنها صارت رمز السيادة ورمز وحدة المجتمع والدولة، وحدة الأعمال الخاصة والوظائف العامة بتعبير سييس.
لم يكن تشكل الأمة / الأمم الحديثة سوى نتيجة موضوعية لجملة من العمليات أو السيرورات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والعلمية والتقنية والسياسية والفكرية والأخلاقية كانت كلها تذهب في اتجاه واحد، نحو مجتمع مدني حديث ودولة سياسية حديثة، أي نحو عقد اجتماعي وسياسي وأخلاقي بين أفراد تحرروا من الروابط الأولية والعلاقات الطبيعية، والذي حررهم بداية هو العمل / الإنتاج الاجتماعي الحديث.
الإنسان لا يكون حراً إلا بالحقوق التي هي للجميع على قدم المساواة. الحقوق نقيض الامتيازات. نظام الامتيازات لا يسمح بنشوء أمة، لا يسمح بنشوء جماعة سياسية. فحينما تكون الفئة الحاكمة، صاحبة الامتيازات، هي كل شيء تكون الأمة لا شيء. الحداثة السياسية تعني صيرورة الأمة كل شيء، أو صيرورة الشعب كل شيء.
نشوء الأمة واكتمالها في دولة سياسية، هي دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بالتساوي، هو في الوقت ذاته نشوء "عصبية" جديدة، بل حديثة، هي العصبية الوطنية أو القومية ولا فرق. ولا يخلو أن تلتبس هذه العصبية بعصبيات قديمة، عرقية / لغوية أو دينية أو مذهبية .. ما قبل وطنية أو ما قبل قومية، وما قبل سياسية، على اعتبار الأمة الحديثة جماعة سياسية وأخلاقية حديثة، فلا تلبث هذه العصبية الجديدة أن تتحول إلى مذهب قومي، إما بفعل نمو العنصر الإمبريالي في القومية المعنية ذاتها، وإما بفعل رض إمبريالي أو عدوان إمبريالي تتعرض له هذه الأمة أو تلك.
المذهب القومي ينتج إذاً من نشوء عصبية وطنية، أو قومية، جراء رسوخ الدولة الوطنية المستقلة ذات السيادة، ونمو وعي اجتماعي عام بالانتماء إليها، أعني وعي المواطنة، وجراء نمو العنصر الإمبريالي في الوطنية / القومية المعنية ذاتها، أعني نزعة التوسع والهيمنة والنهب، التي كان نابليون أنموذجاً نقياً من نماذجها. ومن البديهي أن ينتج هذا المذهب القومي نفسه، عندما يترجم إلى عمل إمبريالي، مذهباً قومياً مضاداً، بل مذاهب قومية مضادة.
في عام 1807 – 1808 وضع فيخته كتابه الشهير "خطاب إلى الأمة الألمانية"، قال فيه: "إن خسارة الاستقلال تجر على أمة من الأمم استحالة التدخل في سير الزمن وتقرير أحداثه حسب مشيئتها. ما لم تخرج (الأمة) من هذه الوضعية فلن تكون هي التي تتصرف بزمنها ولا بذاتها، بل الدولة الأجنبية السيدة على مصائرها.."[2]. المضمر هنا أن ثمة أمم حديثة أنجزت بناء دولتها القومية المستقلة وراحت تتطلع إلى / وتعمل على احتلال بلدان أخرى واستتباع شعوبها واستغلال مواردها ونهب خيراتها، وإرساء قاعدة قديمة جديدة في العلاقات الدولية مفادها أن الحق في المضمار الدولي ليس شيئاً آخر سوى سياسة القوة؛ وأن "علة الدولة مستغنية عن العلل". هذا درس عام للدول القوية والدول الضعيفة والتي ليست بعد، ما يستتبع أو يقتضي أن الغاية، أي السلامة العامة وتحرير الوطن من السيطرة الأجنبية، تبرر الوسيلة..
فإذا كانت الدول القوية هي التي تجلت فيها العصبية القومية، فإن الدول الضعيفة المستعمَرة والمتأخرة هي التي تحول العصبية القومية المضادة والسلبية إلى مذهب قومي، تعبيراً عن جرح نرجسي في الذات، في صميم الهوية، على نحو ما كانت عليه ألمانياً في ظل الاحتلال الفرنسي. المذهب القومي عند فيخته كان التقاء تيارين: تيار بيداغوجي، تربوي أو تعليمي، (لقد خسرنا كل شيء، ولكن بقيت لنا التربية). وتيار تضخيم الذات "القومية" الاستبعادية أو الطاردة المموهة برداءات فلسفية من نوع: "الألماني الذي بقي في منطقة الإقامة الأولى للقبائل الجرمانية التي فتحت أوروبا المرومنة قد احتفظ بـ لغته. لغته، أي شيء أول، بدائي وشخصي، هو منذ الصوت الأول المنطوق لم ينقطع يوماً في أن ينبع من الحياة المشتركة الحقيقية، دون أن يقبل عنصراً أياً كان ليس تعبير فكرة شخصية للشعب ومتسقة بانسجام بالغ مع سائر أفكار الأمة"[3] .. بخلاف القبائل الأخرى التي تبنت لغات جديدة لاتينية الأصل (نيو لاتينية)، ليست سوى لغات ميتة مقارنة باللغة الألمانية الحية، التي تشكل جوهر الأمة الألمانية. اللغة الألمانية هي امتياز الألماني على غيره، كما تمتاز الحياة من الموت. (قارن مع المذهب القومي العربي، في حيثية اللغة، وأضف إلى ذلك قداسة اللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم، ولغة أهل الجنة).
الأمة الألمانية، التي لم تنفصل عن أرومتها، كما فصلت القبائل الجرمانية الأخرى، تؤلف عرقاً أول، شعباً يحق له أن يعلن نفسه بشكل خالص وبسيط أنه الشعب. الأمة هنا ذات محتوى عرقي / لغوي. وبذلك يكون الألماني هو الوحيد القادر على أن يعاني لأمته حباً حقيقياً وموافقاً للعقل. هذا الحب يدعى الوطنية. وظيفة التربية عند فيخته هي غرس الروح الوطنية في نفوس الناشئة. الأجنبي، الغازي أو المحتل، الآخر، هو محك الروح الوطنية / القومية، التي لا تتأجج إلا في مواجهته (ليس للأمة العربية والقومية العربية، في خطاب القوميين العرب، أي معنى، إلا في مواجهة الآخر (الخارج) والتوجس منه، بل النفور منه، أو الاستعلاء عليه).
ناشد فيخته الألمان، على اختلاف فئاتهم ودرجاتهم، مناشدة حارة وحماسية قائلاً: "لكم الخيار، أتريدون أن تكونوا نقطة نهاية، آخر ممثلي عرق حقير ومحتقر فوق كل قياس من قبل الأجيال القادمة .. أم أنتم تريدون أن تكونوا نقطة بداية، بداية عصر جديد سيتخطى بهاؤه أحلامكم الأكثر جسارة .. فكروا أنكم الأخيرون الذين يستطيعون إحداث هذا التحول الكبير .. خلاصكم يتوقف عليكم وحدكم. أعتقد من الضروري أن أردد على مسامعكم حتى اللحظة الأخيرة: المطر والندى والسنوات الخصبة أو المجدبة يمكن أن تأتينا من قوة مجهولة، مطروحة من تأثيرنا، ولكن وجود البشر الخاص تماماً، كل وضعية الجنس البشري لا يتوقفان إلا على البشر ... البشر لا يصيرون لعبة هذه القدرة الخفية إلا إذا كانوا جميعاً بالتساوي عمياناً وجهلة؛ ولكن لهم ألا يكونوا عمياناً وجهلة"[4].
للشعب الألماني، بل للعرق الألماني، أي للأمة الألمانية، رسالة إنسانية كونية (رسالة خالدة، كرسالة الأمة العربية إلى البشرية، لكن فيخته، على غلوه وتطرفه، أقل غلواً وتطرفاً من القوميين العرب، وأكثر إنسانية وانفتاحاً على العقل الكوني وعلى الروح الإنساني): "ألمانيا وحدها، من الآن فصاعداً، لا أي دولة أخرى، ولا سيما فرنسا، منذورة لتحقيق الإنسانية، لتكون بين الشعوب ما الفيلسوف الحق يجب أن يكونه بين البشر: من يخلق أعلى الحقائق ويجعلها في متناول الجميع بالتبشير". وقد ختم فيخته خطابه إلى الأمة الألمانية بالقول: "إذا كان هناك ذرة من حقيقة في هذا الذي عرضناه في هذه الخطابات، فإنكم أنتم من بين جميع الشعوب الحديثة تملكون بأشد وضوح بذرة قابلية البشر للتحسن، وإليكم تعود الأولية في تطور البشرية. إذا اختفيتم في جوهركم فإن كل الجنس البشري سيفقد أمل إمكان خلاصه من أعماق ويلاته في يوم من الأيام .." لكن التاريخ لم يسر على النحو الذي تصوره فيخته أو رغب فيه. التاريخ توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، لذلك تأخرت ألمانيا حتى لحقت بركب الدول الحديثة المتقدمة، وكلفتها عودة الروح القومية على يد هتلر دماراً ماحقاً للبشر والأشياء.
المذهب القومي الألماني الذي وضع فيخته أساساته الأولى بلغ تمامه على يدي هتلر وقوميته النازية، وصار فعالاً بقدر ما صار أعمى. وكذلك المذهب القومي العربي، الذي استمد معظم، إن لم نقل كل، مقولاته وأدواته الأيديولوجية من المذهب القومي الألماني، ولا سيما مقولات العرق واللغة والتاريخ والرسالة الخالدة، بلغ تمامه على أيدي قادة الحركة القومية العربية الملهمين، وصار فعالاً بقدر ما صار أعمى، ولم تكن النتائج التي تمخض عنها أقل كارثية بكثير من تلك التي تمخض عنها المذهب القومي الألماني. لقد مات هتلر ولكن النازية لم تمت بعد.