دور الموارنة أحد ضرورات مستقبل المنطقة
منير الخطيب
لقد قام المسيحيون العرب وعلى وجه الخصوص الموارنة منهم بدور رائد ووازن في عملية النهضة الفكرية والمجتمعية التي شهدتها مجتمعاتنا ولاسيما في المشرق العربي أبان الانفصال عن السلطنة العثمانية في سياق صدمة الحداثة الكولونيالية، وكان لهم الباع الأطول في بلورة مفاهيم الحركة القومية العربية في مواجهة سياسة التتريك، وهم الذين ضمنّوا الفكر الإصلاحي بعدا "تحديثيا" و"علمانيا" فكان يقف في طليعة المفكرين النهضويين العرب كل من بطرس البستاني وفارس الشدياق وفرح أنطون وشبلي الشميل وغيرهم، وإن المسيحية العربية بسبب التمييز الطائفي الذي مارسه الحكم السني العثماني، قد مثلت في بدايات النهضة العربية <المشرقية > نزعة ديمقراطية ومساواتية واندماجية وذلك بتأثير عملية المثاقفة الايجابية مع الغرب بدون عقدة الهوية، لاسيما في جبل لبنان، حيث هيأ الاحتكاك بالغرب لضرب من البرجزة والتحديث أصابا نخب الطوائف المسيحية، فكان الحضور المسيحي عامة والماروني خاصة بهذا البعد العروبي التحديثي العلماني في زمن صاعد هو أحد العوامل الهامة التي أدت إلى تملص مجتمعاتنا من تاريخها السلطاني / العثماني، ومن أوهام قداسة ( وحدة الجماعة) التي تختزن في داخلها عناصر الحرب الأهلية. وكان أحد العوامل التي وضعت العرب على مسار التقدم والنهوض.
لكن هذا الدور التنويري التاريخي للموارنة بدأ يتراجع منذ خمسينات القرن الماضي بتأثير جملة من العوامل أبرزها:
أولا ـ الانقلاب (الثوري) الذي تم على مشروع الإصلاح ومضامينه الديمقراطية والدستورية والحداثية من قبل النخب العسكرية في المنطقة العربية وأسس بذلك لزمانية المشروعية الثورية وصعود النزعات (الجماهيرية) والتوتاليتارية والأصولية.
ثانيا ـ سقوط المضمون الديمقراطي / العلماني للحركة القومية العربية، بعد تصالحها مع التقليد وإعادة إنتاج التأخر على المستوى الأيديولوجي، والاستبداد الشرقي المحدث في الحيز السياسي، وتحول اشتباكها مع الخارج إلى سيرورة نزع لقيم الحداثة والمدنية داخل مجتمعاتها مما جعل هذه المجتمعات تلوذ بتاريخها المملوكي / العثماني في مواجهة الاستبداد والانتهاك الخارجييين، ومن ثم، بقاء الطوائف الإسلامية في لبنان (سنة، شيعة ،دروز) أسيرة وعيها التقليدي وعدم بروز تيارات عقلانية وعلمانية في داخلها مما أثر سلباً على النزوع الاندماجي والديمقراطي لدى الموارنة .
ثالثا ـ إدخال لبنان المبني على صيغة ميثاق عام ،1943 وهي صيغة تشارك طوائفي حرجة وقلقة، في خضم الصراع العربي / الاسرائيلي، ولاسيما بعد دخول القوى الفلسطينية المسلحة إليه، القوى ذات النزعة السلاحوية المنفلتة من كل عقل وعقال والتي كانت تعتبر انتهاك منطق الدولة هو صلب أيديولوجيتها (الثورية) وإن تحرير جونية من القوى (الانعزالية) هو الطريق إلى القدس. وتحالف هذه القوى موضوعيا مع الشارع الإسلامي الذي كان أحد العوامل في انفجار الحرب الطائفية القذرة عام 1975 التي هتكت النسيج السسيولوجي الداخلي للبنان؛ فبدلاً من تحرير القدس دمرت لبنان ودولته، ثم جاء الوجود العسكري والأمني السوري الكثيف بعد اتفاق الطائف ليعزز عزلة الموارنة وانكفاءهم.
رابعاً ـ التحول الذي طرأ على بنية الطائفة الشيعية، التي كانت تاريخياً طائفة مسالمة وفي أسفل السلم المعاشي ولم تنخرط في حروب لبنان الكبير، ورفدت حركة اليسار اللبناني بكثير من العناصر الهامة إلى طائفة مؤطرة سياسياً وعسكرياً تأطيراً مذهبياًومخترقاًخارجباً، ونموظاهرة الأصولية الشيعية بعد صعود الخمينية وتصديرها الأيديولوجية المذهبية.
خامساً ـ إن الشروط الآنفة الذكر دعمت النزوع الانكفائي لدى الموارنة واستدعت البسيكولوجيا التاريخية لديهم المقترنة بظروف الاضطهاد العثماني، وكما يقول ياسين الحافظ "في لبنان أصابت النخبة المسيحية قسطاً ملحوظا"من الحداثة، بسب تمثلها عناصر من الثقافة البرجوازية تفتقر إليها النخبة الإسلامية، التي ما تزال كتلتها مخثرة في ثقافة تقليدية، هذه الحداثة، النسبية والمثلومة بالطبع بتأثير البسيكولوجيا التاريخية للموارنة أولا وإعادة تقلدة الفكر العربي ثانياً صّبت في تبرير النزوع الانعزالي لدى الموارنة وتقنيع التوجس الأقلوي إزاء الأكثرية والازورار عن مطامحها القومية والاستعلاء عليها، وأضحت النخبة المارونية بسب دورها المهيمن في النظام اللبناني ذات نزوع محافظ على الصعيد السياسي".
إن الوجود المسيحي عامة والماروني خاصة في لبنان بصرف النظر عن النزاعات والحروب التي رافقت نشوء هذا الكيان هو الذي جعل مسلمي لبنان هم الأقل تأخراً بين مسلمين العرب،
وجعلهم أكثر انفتاحاً على الثقافة المعاصرة وعلى الكونية، وإن استعادة الموارنة دورهم النهضوي وتقاليدهم العظيمة بات ضرورياً لمستقبل العرب الذي تهدده الأيديولوجيات، الواحدية، التكفيرية، الإجتثاثية، والطائفية الأكثروية، وإن دورهم المفتوح على احتمالات المعاصرة والحداثة والعقلنة والعلمنة ضروري، فهم الأقدر على المساهمة في خلق بنية علمانية في الكيان اللبناني تكون نموذجاً فريداً في المنطقة العربية، وهم الأقدر على قيادة اللبنانيين لبناء نموذج دولة عصرية تتجاوز الوضعية المملوكية ـ السلطانية التي تسم السلطات التوتاليتارية في البلدان العربية، وبحكم انفتاحهم على الحداثة هم الأقدر أيضاً على الإمساك بإشكالية التخلع المجتمعي اللبناني ونزع فتيل التوتر السني ـ الشيعي عبر فتح مسارات الاندماج الوطني الذي هو قضية ذات بعد علماني؛ مما ينعكس إيجاباً على جميع بلدان المنطقة، ولا سيما العراق، وهم يشكلون احد عوامل الممانعة للزحف الثيوقراطي الظلامي في المنطقة واحد عوامل ممانعة الاستبداد ونمو الشعبوية والتوتاليتارية. لذا فإن الديمقراطيين والتنويريين العرب يأملون أن يستعيد الموارنة ميراثهم الليبرالي كسراج في ليل التأخر والفوات، وهم ينظرون بحسرة وألم إلى الفارق التاريخي مابين الصرخة المارونية النهضوية بداية القرن الماضي :
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طما الخطب حتى غاصت الركب
وبين الصراخ السياسوي المتعشق مع روح الظلامية والاستبداد.