قـــراءة نقديّة في كتاب هشام جعيّط الوحي والقرآن والنبوّة

 

بقلم فريد العليبي

مدخـل

تمّ إثراء المكتبة العربية خلال السنوات الأخيرة بمؤلفات عديدة تناولت بالدرس قضايا هامّة تتصل بالمسألة الدينية، وقد تزايدت تلك الإصدارات في علاقة وثيقة بتنامي الدعوات النكوصية المتسربلة بالمقدس الإسلامي وما رافق ذلك من حملات التكفير وتفشّي ظواهر مثل المذابح الجماعية التي راح ضحيتها آلاف البشر ، كان أبطالها أناس يعانون في غالبيتهم من جهل مطبق ليس فقط بالعصر وتحدياته الحقيقية وإنّما كذلك بالشعارات التي يرفعونها والأسس الفكرية التي تقوم عليها.

وإن كانت حركة التأليف تلك إيجابية في حدّ ذاتها بغضّ النظر عن المضامين التي يحتويها هذا الكتاب أو ذاك ، من حيث كونها تدفع بالحوار حول المسألة الدينية ولواحقها إلى السطح وتساهم بالتالي في كسر طوق التحريم الذي أحاط بتناول إحدى المسائل التي ظلّ يلفّها الغموض المقصود، فلا شكّ أنّ  إخضاع تلك المؤلفات للنقد سوف يساهم في التأسيس لطروحات عقلانية لا يمكن في نهاية المطاف إلاّ أن تشقّ طريقها إلى أذهان أوسع الناس المعنيين أصلا بتملكّها.

وتستمدّ المعركة الفكرية الدائرة حاليا في ساحة الثقافة العربية بين تيارات فكرية متابينة قيمتها من هذا الأساس بالذات ، أي من حيث صلتها بتلك الجموع من البشر التي ظلّت في غربة عن إدراك كنه تلك المسائل جرّاء التعمية الإيديولوجية التي كان هدفها باستمرار خلق جمهور مطوع سلس الانقياد.

ومن ثمّة فإنّ التفكير في قضايا مثل الوحي والقرآن والنبوّة، وهي المواضيع التي تطرق إليها هشام جعيّط في كتابه  يعدّ في حدّ ذاته وبغض النظر عن مضمونه مثلما أسلفنا أمرا على جانب كبير من الأهمية، إذ يمثّل مناسبة لتطارح تلك القضايا من جديد، نقول من جديد لأن الخوض في ذلك لم تـخل منه الثقافة العربية ، وقد نكون اليوم في حاجة إلى استلهام الجرأة والخصب اللذين ناقش بـهما المفكرون العرب الأوائل تلك المواضيع

لقد تميّزت مقاربة جعيّط للمسألة الدينية بولوجها المناطق المحظورة عادة على التفكير ، وهي من هذه الناحية مثيرة للإعجاب إذ تتجمع فيها عناصر الحماسة الفكرية المتحفزة للتعبير عماّ يجب التعبير عنه، غير أنها حماسة سرعان ما ترتدّ على ذاتها وتنكص على أعقابـها مثلما سوف نرى.

جعيط وقضايا المنهج :

  يؤكد جعيط أن تناوله للمسائل التي عرض لها في كتابه يتصف بفرادته إذ لم يسبقه إلى ذلك أي من الباحثين المسلمين وغير المسلمين ، قديما و حديثا، و يصف المنهج الذي اعتمده في البحث بأنه " عقلاني تفهمّي" مشيرا إلى أن هذا المنهج من إبداعه واستنباطه ، يقول " و قد حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة و استنباط منهج عقلاني تفهمي. لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير و التاريخ والحديث و لا عند المسلمين المعاصرين، وأكثر من ذلك ان المستشرفين على سعة إطلاعهم لم يأتوا ببحث يـذكر في هـذا الميـدان و تبقى دراساتهم هزيلة  1 . وبذلك ينسب المؤلف لنفسه السبق على مستوى المنهج المعتمد في قراءة الوحي و القرآن  والنبوة و كان حريا به أن يثبت " لا عقلانية" و " لا تفهميّة" هؤلاء الذين وضعهم جميعا في خانة واحدة رغم اختلافاتهم و تعدد طروحاتهم .

اللافت أن جعيط لا يلبث أن يعترف بأنه أخذ ذلك المنهج عن " فحول الفكر و التاريخ في الغرب"2 ، غير أنه لا يذكر من هم هؤلاء ثم يوجه لهم اللوم لأنهم هم أيضا " لم يهتموا بالإسلام إلا قليلا.3    و يودّ جعيط بذلك إقناع القارئ أنه يحرث أرضا بكرا، وأنّه يستعمل سلاحا جديدا في معركة اشتد أوارها و أن الكلمة الأخيرة هي كلمته.

ولكن ما هو هذا المنهج الذي يستعمله المؤلف؟ لنرى ماذا يقول عنه : " سيتجه مجهودنا إلى مقاربة تاريخية معتمدة على النصوص و على المقارنة، و إلى مقاربة ظواهرية "4 . ويفهم جعيط المقاربة التاريخية على النحو التالي : "ولا يعنى   التاريخ هنا تقديم الظروف الخارجية لنزول الوحي  كما ورد ذلك في السير و التواريخ بل إستقراء القرآن أساسا، عندما يذكر و يصف تجربة الوحي لدى النبي، و القرآن هو المصدر التاريخي المعتمد الصحيح، لأنه يرمز إلى ماهية الوحي و الظروف التي حفت ببدئه،  و تواصله، و لا يدخل في التفاصيل الدنيوية الفارغة".5

ما يريد المؤلف إستبعاده إذن هو " الظروف الخاريجية" و"التفاصيل الدنيوية الفارغة" بإعتبارها عائقا يحول دون فهم الإشكاليات التي ينصب عليها بحثه والإستعاضه عن ذلك كله بالقرآن ذاته، أي بالنص الذي يمكن إستنطاقه هو دون سواه في سبيل الظفر بالحقيقة التي ندب السيد جعيط نفسه للتحصيل عليها، و لتوضيح توجهه المنهجي ينبئنا أنه يتوخى المقاربة الفينومنولوجية تحديدا بقوله : " وليس لنا مع هذا أن نستسلم و نتخلى عن طريقتنا الفينومنولوجية، و إلا رددنا ما أوردته المصادر القديمة،   "6 معتبرا أن ذلك هو الضمان الذي يكفل الإفلات من قبضة التأويلات التي لا علاقة لها بالعلم، فالسيد جعيط حريص على إثبات أنه لا يقدم لنا تأويلات وإنما حقائق لا تخالطها الريبة بقوله : " فهمّنا هنا لا ينحصر في المنهجية التاريخية بقدر ما يتجه إلى إستقراء القرآن بمنهج ظاهري كما يعطي نفسه للقراءة و الفهم بدون تأويل و إسقاط ".7

ويكاد  من خلال ترديده في مواضع شتى من كتابة أنه يعتمد المنهج الفينمولوجي أن يصرخ في وجه القارئ : إني لا أمارس التأويل و الإسقاط فكتابي كتاب في العلم لذلك يجب أن تصدق ما أقول، و كأن ذلك يكفي لكي يحمل القراء على محمل الجدّ الفكرة التي مؤداها أن أطروحات المؤلف علمية صرفة.

لقد أجهد نفسه لكي يقنعنـا بأنه يقـدم لنا حقائق علمية فسيطر الهاجس "العلمي" عليه و جعله يتورط في امتداح العمل الذي قدمه بشكل مباشر و بصورة لا يمكن إلا أن تثير لدى القارئ النفور. فمـا معنى أن يأتي أحدهم و يبحث في قضايا من قبيل الوحي والقرآن و النبوة و يقول بلهجة و ثوقية عن بحثه " و بعد فهذا الكتاب وما سيتبعه كتاب علمي و ليس بالدراسة الفلسفية"8، أليس الأفضـل فـي هـذه الحال التحلي بقدر من التواضع المعرفي والقبول بأن ما نقدمه إن هو إلا إجتهاد ممكن و تأويل من بين تأويلات عديدة أخرى.

في واقع الأمر لم يقدم لنا جعيط كتابا في العلم، كما أننا سوف نجد عناء أن نحن حاولنا البحث عن موضع لكتابه في قارة الفلسفة المترامية الأطراف، فمؤلفه أقرب ما يكون إلى هرمونوطيقا المقدس حيث ينصب البحث على تأويل الرموز التي يتضمنها النص الديني، مضافا إلى ذلك محاولة تسويق تلك التأويلات إلى جمهور القراء عبر إضفاء مسحة علمية عليها.

ولكن ما هو المنهج الفينمولوجي الذي يرى جعيط أن اعتماده يشرع لنا الزعم أن بحثنا علمي بإمتياز؟ يعرف لالاند الفينومنولوجيا في معناها العام بأنها " دراسة وصفية لمجموعة من الظواهر كما تتجلى لنا في الزمان أو المكان ، و ذلك في تعارض سواء مع القوانين المجردة و الثابتة المتحكمة بتلك الظواهر أو مع الوقائع الترنسدنتاليه التي تكون مظهرا لها أو مع النقد المعياري لمشروعيتها"،9 أما في معناها الخاص الذي يحيل على المنهج فإنها تعني ذلك " الجهد الذي يبذل لاستحضار ماهيات من خلال وقائع و أحداث عينية ، و تلك الماهيات يتم الحصول عليها مباشرة عن طريق الحدس و في علاقة بأمثلة مفردة ، تدرس بالتفصيل وبطريقة جد ملموسة"10 .

وقد مارس مفهوم الفينمنولوجيا حضوره في مجال الفلسفة خاصة مع انبلاج فجر الحداثة فاستعمله " لامبارت" لكي يشير من خلاله على المستوى الفلسفي إلى ما يظهر و يتجلى للتفكير، وقد تطور ذلك الإستعمال و أضحى يحيل لدى كانط على تقسيمه المعروف للعالم إلى "ظواهر" phénomènes  يمكننا معرفتها و "أشياء في ذاتها" noumènes لا نقدر على معرفتها.

واتسع مجال ذلك الإستعمال مع هيجل، ففي كتابه فينمولوجيا الروح نراه ينظر إلى الفينومنولوجيا بإعتبارها ذلك العلم الذي يدرس تمظهرات الوجود. غيرأن الفينومنولوجيا لن تصبح تيارا فلسفيا  و منهجا قائما بذاته إلا مع إدموند هوسرل ، وما يهمنا هنا هو المنهج الذي أرساه هوسرل و هو يقوم على فكره الإختزال أو " الرّد". و يتمثل شكله الأول في وضع العالم كله بين قوسين ، بمعنى التخلص من الأحكام السابقة و تعطيلها و تعليق الحكم بشأن وجود العالم.

وبالإضافة إلى هذا النوع من الإختزال هناك نوعان آخران و هما الاخترال الماهوى المتمثل في القطع مع كل ما هو خبري امبريقي لما يعطي لنا، حتى نقف على الماهية الكلية للظاهرة، وأخيرا الاختزال الفلسفي المتعالي المتمثل في إبطال الفلسفات جميعها ووضعها هي الأخرى بين قوسين ، حيث ينقد هوسرل الوضع الذي وصلت إليه الفلسفة بفعل تعدد المذاهب، متسائلا في كتابه التأملات الديكارتية : أليس هناك من الفلسفات بقدر ما هناك من فلاسفة على وجه التقريب؟ هناك أيضا بالتأكيد مؤتمرات فلسفية، ولكن الفلاسفة هم الذين يلتقون فيها لا الفلسفات. و عن سؤال ماذا يريد العلم يجيب هوسرل: إنه يريد حقائق يصحّ الأخذ بها نهائيا ، ومن قبل الجميع و لكن كيف تعطي لنا الحقيقة؟ إنها تعطي لنا بالبداهة ، ذلك أن البداهة  تجربة أو حدس تتجلى فيه الأشياء ذاتها أمام الفكر.

هذا بإيجاز ما تعنيه الفينومنولوجيا و المنهج الفنومنولوجي، و لا نعرف ما علاقة ذلك بالتاريخ كعلم. فـإذا كـانت العلوم إجمالا بما في ذلك العلوم الإنسانية تطلب صياغة قوانين ونظريات موضوعية يمكن التأكد من صحتها، فإن المنهج الفينومنولوجي لن يمكنها من ذلك بالتأكيد ، إذ أنه لا يقصد أصلا الوصول إلى قوانين تفسر الظاهرة المدروسة، و إنما يكتفي فقط بالوصف، و علم التاريخ إذا سار على هذا الطريق فإنه يكون قد كف عن الوجود.

برغم ذلك نقول إن جعيّط مع كل ذلك التقريظ الذي كاله للمنهج الفينمنولوجي فإنه لم يتقيد به، فإذا كان ذلك المنهج يقضي بإتخاذ مواقف حيادية مثلا حيال القضايا الميتافيزيقية بإعتباره لا يقرها ولا ينفيها، فإنه و إن أشار إلى إلتزامه هو الآخر بذلك فإن ذلك الإلتزام سرعان ما يتوارى عندما يتعلق  الأمر بما هو إيماني فيتورط في إتخاذ مواقف لاهوتية بحتة، و قد عرضنا إلي بعضها في ما سلف، بل انه يعتبر أن المستشرقين لا يمكنهم فهم الإسلام طالما هم غير مؤمنين فهل هذا ما يقوله المنهج الفينمنولوجي أم انه يقول بعكسه تماما !

لقد ظل جعيّط بعيدا عن توظيف ذلك المنهج لذلك نراه ينزاح أحيانا إلى الهيجلية قائلا: "الوحي لـه ضمان فـي تاريخية الروح التي ليست كأية تاريخية ففي مجال التوحيدية وحسب التقليد مرت أربعة قرون بين إبراهيم و موسى ، و أكثر من عشرة قرون بيـن موسى وعيسى، و ستة قرون بيـن عيـسى و محمد ، و كأن القرآن يلمح إلى ضـرورة مبعث جديد ومجدد ، و أن الوقت حان لبزوغ نبوة محمد طوال هذه الزمنية، فالروح تتطلب مخاضا طويلا وسندا في الماضي يعتمد عليه و يحصل تجاوزه، و هذا شأن كل التقاليد الكبيرة "11، إننا إزاء تفسير هيجلي للتاريخ لا يتوانى عن الإفصاح عن ذاته ، فأية علاقة بين ذلك و بين المنهج الفينمنولوجي ؟ أية علاقة بين الإقرار الإيماني و بين العلم؟ ألسنا هنا أمام مجرد تأويل للتاريخ أي أننا بالضبط أمام استحضار لفلسفة التاريخ الهيجلية.

مع هيجل نحن إزاء فلسفة التاريخ لا علم التاريخ ، و ما يقوم به جعيط إنما هو نقل هيجل في بعض الحالات حرفيا، و لكنه رغم ذلك مصمم على أنه يكتب علما ؟ يقول هيجل : " على المسرح الذي تشاهد الروح عليه، و أعني به التاريخ الكلي تكشف الروح عن نفسها في حقيقتها الأكثر عينية".12

الروح المطلقة حسب فلسفة التاريخ الهيجلية هى المحرك الحقيقي للأحداث التاريخية، و الغاية التي تنشدها الروح من وراء التاريخ، إنما هي الوصول إلى أعلى مراحل تطورها عندما تدرك ذاتها بذاتها وتتحرر من إغترابها، و هذا ما طبقه جعيط على الدين الإسلامي الذي كان مخاضا من مخاضات الروح!. ينطلق المؤلف من فلسفة التاريخ الهيجلية و يفصل الوقائع التاريخية على قدَها دون أن يتوقف عن التنبيه إلى أنه ينبذ كل ضروب الإسقاط و الأحكام المسبقة، مشهرا طهرانيته المنهجية على إمتداد صفحات كتابه.

وإذا ما انتقلنا إلى معالجة " المفاهيم" التي استعملها فإننا نحتاج إلى أكثر من وقفـة فمـاذا يقصد بكلمة  "فضائي " التي استعملها مرارا فهو يكتب مثلا " الحرم و الحرام و المحرّم الذي ينافي في المعجم القديم ما هو حلّّّ و حلال و هو مفهوم قديم فضائي على الأغلب"13  كما يتحدث عن " واقعية في الفضاء و الزمان" و عن " اللانهائي واللافضائي الزمني " وهو يترجم بذلك حرفيا الكلمة الفرنسية  Espace دون أن يتنبه إلى اختلاف الدلالات بين الكلمتين العربية و الفرنسية، و كان حريا به العودة إلى الفلاسفة العرب القدامى الذين شاع لديهم استعمال كلمة " المكان"  من ذلك ما نجده علي سبيل المثال في كتابي " عيون الحكمة " و الشفاء " لابن سينا،  و هي أكثر دقة في التعبير عما أراد التعبير عنه. ولا يقف المؤلف عند حدود استعمال هذا المفهوم إذ نراه أحيانا أخرى يتحدث عما هو" هوائي " عند وصف جبرائيل مثلا.

أمّا مفهوم" الله " فإنه يرد في بعض الحالات في ثنايا الكتاب باعتباره يحيل على ما هو منزه و متعال و في أحيان أخرى باعتباره كائنا مشخصا، لنقارن بين ما يقوله المؤلف في  الصفحة 19 "الشخصية الإلهية المنزهة المتعالية" وما يقوله في الصفحة 27 "الكائن الحق المشخص هو الله " و لا شك أن السيد جعيط يدرك أوجه الاختلاف الكبرى بين ما هو "مشخص"،  وما هو  مفارق ومتعالي فكيف يكون الله هذا و ذاك في نفس الوقت؟

ومن الملاحظ كذلك أن جعيط يتحدث في كتابه عن الشعب الإسرائيلي و " الديانة الإسرائيلية " و هذا الحديث ليس في حاجة فقط إلى تدقيق من الناحية المفهومية وإنما كذلك إلى حذر من الناحية السياسية و الإيديولوجية فهل هناك بالمعنى التاريخي والسوسيولوجي شعب اسمه الشعب الإسرائيلي و هل هناك ديانة إسرائيلية ؟ أم أن هناك ديانة يهودية يشترك في الاعتقاد في تعاليمها أناس من شعوب شتى، منهم الأبيض و الأسود، الأوربي، و الأسيوي ،و الإفريقي ؟!

ولا تخفى بطبيعة الحال الاستتباعات المترتبة عن مثل هذا الحديث الذي يحيل الآن على كيان غير شرعي لا يزال يلهث خلف تسويق أساطيره تأصيلا لذاته في أرض انتزعها انتزاعا من أصحابها الشرعيين.

وفي ما يتعلق بالصلة بين ما هو " منهج " و ما هو " إيمان " فإن للسيد الجعيط موقفا لو سايرناه فيه لاستتبع ذلك تحطيم لا بنيان  العلم فقط وإنما كذلك بنيان سائر المعارف التي تنحو منحى عقلانيا فهو يكتب قائلا : " أعجب من بعض المستشرقين.    و ليس كلهم الذين ليسوا بمسلمين وبالتالي نظروا إلى الإسلام و القرآن نظرة خارجية مجردة من كلّ إيمان ، فاعتبروه أثرا من محمد ( .....) كل هذا طبعا في إطار نظرة وضعية غير إيمانية لنبوة النبي و الاهية القرآن ".14

فهل يطلب المؤلف من المستشرقين أن يعتنقوا الإسلام؟ ماذا لو طالبنا المسيحيون أن نكون على دينهم  إذا أردنا الخوض في المسيحية، والبوذيون أن نكون بوذيين و هكذا؟ كيف يحتج على هؤلاء وهو الذي يريد لكتابه أن يكون كتابا علميا بأنهم ليسوا "إيمانيين " و إنما " وضعيين " ثم ما هذه " النحن " التي ينطق باسمها عنـدما يقول : " أما بالنسبة إلينا كمسلمين معاصرين فلا تضارب بين صفة الموحى إليه - أي محمد - وحقيقة الوحي وبين صفته كشخصية فذة من طراز أعظم مؤسسي الأديان، و في رأيي الخاص أكبرهم قامة."15 هل لهذا الكلام علاقة بالعلم أم انه منغرس عميقا في ثنايا إيديولوجية إسلاموية  تعلن( هنا ) عن ذاتها جهرا  و دون مواربة، نقول    ( هنا ) لأن المؤلف يبدو في مواضع أخرى من كتابه عقلانيا بل و علمانيا لا يتوانى في إنكار كل مالا يقبل التفسير العقلي السليم ، مثل اعتباره قصة غار حراء قصة مختلقة ،   و إنكاره المعجزات جميعها بما في ذلك الإسراء و المعراج الخ. ولكنه ينقض دائما ما يقوله فما يعطيه باليد اليمنى يأخذه باليد اليسرى، لنقرأ مثلا هذا المقطع من كتابه الذي يؤكد فيه المعجزات التي تصدى لنفيها سابقا " و تذكر لنا كتب التفسير أن محمدا كان يرى في اليقظة المشاهد أمام عينيه و كأنها واقـع حـاضر، مثل مشهد القدس و غير ذلك، و مثل الوقائع الحربية كبدر حيث يشاهد الملائكة يقاتلون و لا يراها غيره "بجنود لم تروها" يقول القرآن و كل هذا صحيح و ليس ببهتان أو كذب " 16  ، فإذا كان جعيط  يقر أن محمدا قد رأى القدس فعلا وليس في المنام، و أن الملائكة حاربت إلى جانبه يوم بدر فكيف يحق له بعد ذلك أن ينفي عن شخصية محمد اتصالها بالمعجزات.

ولمزيد الوقوف على التلعثم الذي كان  ضحيته في مؤلفه موضوع حديثنا جراء الاضطراب الذي شاب كلامه في الحقل المنهجي نشير إلى المواقف المتناقضة بخصوص النص القرآني الذي امتدحه من جهة عقلانيته ووضوحه و دقتـــــــه بقوله : " وحده القرآن جمع بين دقة التعبير و الكلمة المثيرة و العمق الكوسمي و الوضوح الكامل البيّن، و هذا من أهم خصائصه "17 ، ولكن إذا كان ذلك صحيحا فلماذا اضطرب جعيط مثلما أشرنا إلى ذلك سابقا في تفسير بعض آياته مرجحا هذا المعنى على ذاك حينا، معربا عن شكوكه أحيانا أخرى بل مطلقا العنان لخياله في بعض الحالات لفهم هذا الأمر أو ذاك الذي يحيلنا عليه النص القرآني مثل اللقاء بين محمد و جبريل؟ !

بالإضافة إلى ذلك نعتقد أنه غير خاف عليه اختلاف الشراح  والمؤولين والمفسرين والفقهاء للقرآن. ذلك الاختلاف الذي يصل إلى حدود تكفير الفرق الدينية لبعضها البعض ، وذلك منذ ظهور الإسلام و إلى حد اليوم ممّا حدا بفيلسوف مثل ابن رشد إلى إبطال تأويلات المتكلمين جميعها لزيفها وسيطرة أساليب الحجاج السفسطائية والجدالية عليها و بعدها عن البرهان. ثم كيف يفسر جعيط آيات وردت في القرآن تعتبر أنه من المتعذر على الإنسان فهم العديد من المواضع الغيبيّة و أنه هناك مسائل يجب القبـول بها إيمانيا مثل " و لا يعلم تأويله إلا الله، و الراسخون في العلم يقولون آمنا " و " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي و ما أوتيتم من العلم إلا ّ قليلا ".

إننا نرى أن النص القرآني يتجاوز ما هو عقلي إلى ما هو فوق عقلي، ووقوف جعيط عند ما هو عقلي لا يفي المسألة المطروقة حقّها من التمحيص، ففي أحيان كثيرة نجد النص القرآني متضمنا لقضايا تتجاوز دائرة التمثل العقلي إلى دائرة الإيمان بما هو خارق كالحديث عن إنجاب العذراء دون إتصال جنسي و شق موسى البحر بعصاه  وعدم احتراق إبراهيم في النار.  وهذه المعجزات من صميم النص القرآني وليست مجرد حديث عن معجزات وردت في نصوص دينية أخرى كما يقول ذلك جعيط18 . فالقرآن يقرّها و كل إنكار لها إنما يعني إنكارا للنص القرآني ذاته .

وإذا كان المؤلف يذهب إلى الاعتقاد أن القرآن قد ابتعد عن كل ما هو لا عقلي بخصوص شخصية محمد فذلك يعني أنه لم ينتبه إلى جوهر النبوة فهو بقوله " إنّ المصداقية التاريخية للقرآن هي الابتعاد عن كل عنصر لا عقلاني بخصوص النبي بالذات "19  قد أغفل أن النبوة ذاتها تقع خارج فضاء العقل فهي من حيث الأساس الذي ترتكز عليه و نعني اصطفاء الله لشخص بعينه ومن شعب بعينه ، لا يمكن أن تستوعب عقليا و إنما إيمانيا، و هذا ما نبّه إليه أبو بكر الرازي عندما رفض فكرة النبوة و  اعتبر أن الله في غير حاجة إلى أنبياء لكي يبلغ ما يريده إلى عباده،  يقول الرازي " من أين أوجبتم أن الله اختص قوما بالنبوة دون قوم، و فضلهم على الناس و جعلهم أدلة و أحوج الناس إليهم ؟ و من أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك و يشلي بعضهم على بعض، ويؤكد بينهم العداوات و يكثر المحاربات ويهلك بذلك الناس ".20

وإذا عدنا إلى النص القرآني فإننا نعثر على آيات كثيرة توجب التسليم و الانقياد      " للنبي " إيمانيا و ليس عقليا من ذلك مثلا " قل أطيعوا الله و رسوله " / " ربنا آمنا بما أنزلت علينا و اتبعنا الرسول " / " الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون".

إن آلية الدفاع عن النص القرآني عبر تمجيد طابعه العقلاني، و استبعاد المسائل التي يثير تمثلها العقلي مشكلات تستعصي على الحل ، مثلما فعل السيد جعيط بمسألة المعجزات ، يمكن أن يؤديا في نهاية المطاف لا إلى الحفاظ على المقدس ، وإنّما إلى تلاشيه ، فالبناء إذا تهدّم ركن من أركانه أضحى مهددا في مجموعه بالخراب.

ومن هذه الناحية يبدو خطابه دفاعا عن الإيمان في عصر يشهد على المستوى الإيديولوجي نكوصا إلى الوراء، و إعادة إنتاج الماضي التليد من قبل القوى الأشد تخلفـا ليـس في الوطن العربي فقط و إنما كذلك في البلدان المصنعة حيث تفرخ الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية المعمّمة هنا وهناك الأصولية و الطائفية و الفاشية الخ...

ففي وضع كهذا يعتبر بعض المفكرين و من بينهم جعيط أن السلفية المنفلتة من عقالها حاليا، كسولة و ذات خطورة على الدين ذاته، فهي لا تفهم العصر وتحولاته، لذلك يجب ترشيدها ، فالمطلوب  مصالحة الإيمان مع العقل في أعلى تجلياته، أي العلم علي وجه التحديد، ليس بدحض ما هو غير عقلاني في الدين و إنما بإنكار وجوده أصلا. هذه هي إستراتيجية السيد جعيط، و ذلك بحثا عن إجماع مفقود بين القوى المختلفة الموجودة راهنا في البلاد العربية، علمانية ودينية.

و يستحضر المؤلف بذلك توجهات مشروعه القديم الذي أعلنه في كتابه : الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي الذي كتب فيه يقول : " ونحن نطالب الضمير العربي بالانطلاق بحثا عن إيديولوجية مفتوحة تتسع لتأسيس إجماع جديد "،21 و مشروع من هذا القبيل لا يمكنه بطبيعة الحال إلا أن يكون توفيقيا فهو في نفس الوقت إيماني وعقلاني، سلفي و علماني،22 ريبي ووثوقي، و نحن لا نتجنى على السيد جعيط عندما نقيّم عمله على هذا النحو فهو ذاته واع بهذا الأمر، بل إننا نراه يقره و يمتدحـــه بقوله " إن تفكيرنا سيتميز بنقصانه و تناقضاته، فلن يتضمن ما من شأنه أن يشبه التأكيد الذي لا يشوبه الغموض، و لا يقوم بنتائجه الإيجابية بل بتشعب أطواره".23 فهل نجانب الصواب إن قلنا إن عمل جعيط كان فعلا " متناقضا " و " متشعب الأطوار" إلى أبعد  الحدود.

بين قطعيّة الأحكام وريبيّة المواقف

الخطاب المبثوث في ثنايا كتاب جعيط خطاب مشوب بالتردّد، تخترقه التناقضات من كل جانب فصاحبه يؤكد تارة هذه الأطروحة أو تلك وطورا ينفيها، و يتمسك أحيانا بمواقف إيمانية و أحيانا أخري يشهر علمويته ، فنحن نراه ينزع في بعض المواضع من كتابه إلى تفسير القضايا تفسيرا إيمانيا ليست له أية علاقة بالعلم و مناهجه، فهو يقول مثلا : " إن لب الإسلام هو الدين، و لم يكن النبي يصبو إلى السياسة و التسلط، و الوحي والقرآن و النبوة هي أصل كل شيء "24 ، مغيّبا بذلك الوقائع الاجتماعية و السياسية التي حفت بظهور الدين الإسلامي، منكرا أن يكون لمحمد أي هدف سياسي، ثم يقوم بنقض هذه الفكرة فيكتب في موضع آخر " أما الإسلام المحمدي و قد جاء في فترة عمّت المسيحية فيها على المشرق برعاية الدولة ، و كذلك المزدكية  في إيران برعاية الدولة أيضا فقد كان مدينا بنجاحه الفوري تقريبا لتهميش الجزيرة العربية، و لغياب الدولة القمعية بالضرورة ، لكن أساسا لتكوين جماعة مسلحة فنواة دولة، فالسياسة بكل ما تعنيه من ديبلوماسية و سلطة و حرب فمصالحة، هي التي أكسبته النجاح والاعتراف به  في الحجاز" 25

انه يؤكد من ناحية أن " النبي لم يكن يصبو إلى السياسة " و من ناحية ثانية يشير إلى أنه خاض حروبا و عقد تحالفات و بني دولة، بل انه يرى أن " هذه الأداة الدنيوية [يقصد الدولة] بقيت تشتغل بعده عبر إطفاء الرّدة ثم إنطاق الفتوحات فصارت الدولة الإمبراطورية بعد عشر سنوات من موت محمد"26 ، أي إننا إزاء تأكيد الفكرة و نقيضها في نفس الوقت. غير أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ إذ يعود جعيط من جديد لكي ينسف هذه التأكيدات على الجانب السياسي من أساسها ففي الصفحة 85 من كتابه يذهب إلى التشديد على نقيضها، فرفض الملأ المكي لمحمد لم يكن لأسباب سياسية و إنما لأسباب دينية ، يقول : " إن الذي لقيه النبي من قومه ليس معارضة بالمعنى الحديث لأنه لم يكن رجل سياسة و إنما رفض و تعجيز، ورمي بأمور مشينة و حطّ من قيمة الوحي أو تكذيب "27 .

وللخروج من هذا التناقض والتردد كان بإمكان المؤلف أن يدرك أن الرفض لأسباب دينية إنما هو في جوهره رفض لأسباب اقتصادية وسياسية أيضا، يقول حسين مروة " كان ردّ الفعل سريعا بوجه محمد ، وهو رد فعل لا يمكن أن لا نرى الواقع الطبقي في أساسه "28  ، متهما أصحاب تلك الدراسات التي تفصل بين المسائل التراثية و سياقاتها الاجتماعية السياسية بالتزييف، متحدثا عن أثر الدراسات التضليلية التي فصلت بين هذا التراث و بين قاعدته المادية و الاجتماعية غير المباشرة و أبقت تلك القاعدة في العتمة 29

ثم إن القول أن لمحمد هدفا سياسيا لا يحط من شأنه كما قد يعتقد، ولا يعني كذلك طمس الأبعاد الأخرى في شخصيته ، و بالتالي الأهداف الدينية و الأخلاقية و سواها ، يقول ماكسيم رودنسون : " ليس استنقاصا من قيمة محمد عندما نرى فيه رجل سياسة"30 ، مضيفا قوله: " كان محمد عبقرية دينية ، و شخصية سياسية كبيرة، و إنسانا مثلي و مثلك"31 .

ومن ثمة فان التركيز على هذا البعد أو ذلك ، و إغفال الأبعاد الأخرى، و التردد بين الأخذ بهذه الفكرة أو تلك بخصوص شخصية محمد، يعد بترا للعناصر المختلفة المتداخلة في تكوينها، وهو لا يساعد البتة على الإحاطة بها من مختلف جوانبها.

أمّا عندما نقرأ ما كتبه جعيط حول " جبرائيل " فإننا لا نملك إلا أن نقف مشدوهين حيال خصب خياله ، فهو يكتب قائلا: " و رجوعا إلى التجلي الأوّل و الثاني ( تجلي جبرائيل لمحمد) فيمكن بعد كل هذا التحليل أن نثبت بكامل القناعة عدّة أمور : رأى محمد جبرائيل أي قوة الله بالعبرية و لذا نعت بـ" ذي قوة " و " شديد القوى " ككيان يدركه الحس معلقا في الهواء أي كشخص هوائي و رآه ثانية بـ" البصر" و الأمر واضح فهي ليست رؤيا في المنام بل الرؤية بعين الرأس "32 . ثم يسترسل  في هذه الإثباتات الإيمانية و التفسيرات المطمئنة لذاتها باعتبارها قناعة  لا يرقى إليها الشك فيؤوّل الكلمات القرآنية التي تتحدث عن اقتراب جبريل من محمد " و كان قاب قوسين أو أدنى " بقوله :  "  و المقصود في رأيي مسافة رميتين"33  و عن المكان الذي تجلى فيه جبريل يكتب قائلا :   " فقد ظهر بالأفق الأعلى أي في كبد السماء "34  .

هل هذه التفسيرات ذات علاقة بالعلم الذي أكد جعيط أنه حريص عليه شديد الحرص باعتبار كتابه كتابا علميا صرفا أم إنها تأويلات صنعها الخيال وحده؟ و أي معنى عقلي للحديث عن شخص هوائي ظهر فجأة في كبد السماء ثم اقترب من محمد مسافة رميتين ؟

يرى السيد جعيط أن الجزيرة العربية لم تعرف ظاهرة النبوة قبل محمد كما لم تعرف مفهوم الإله الأوحد بقوله :" في الجزيرة العربية لم يوجد أي نبي قبل محمد، هنا إذن انعدام للتقليد في هذا الميدان، كما انعدام لمفهوم الإله الأوحد "35 ، غير أنه لا يلبث أن ينفي جانبا كبيرا من هذا الكلام، فبخصوص الله مثلا نراه يقول عنه : " وهو إلاه معترف به من لدن قريش كخالق للكون ، و ماسك للمصائر إلا أنه بعيد جدا و متعال جدا"36 .  والمعروف كذلك أن الأحناف قد دعوا إلى عبادة إله واحد قبل محمد كمــا أن " (الله ) كلمة عربية تدل على إلاه قد تكـون مؤلفة من " أل" و لفظه " أله" أو منحدرة من اللفظة الأرامية " ألاها " أو " آلوهو" ، واسم الله و دلالته على الإله الأوحد سابقان على الإسلام، فقد كان في البلاد العربية قبل الإسلام مفهوم مبهم بعض الشيء عن إله قدير هو الإله الأعلى إن لم يكن الأوحد ... كان مركز عبادة " الله" قبل الإسلام في جنوب الجزيرة العربية وفي الحجاز "37

 

--------------------------------------

function isEmailAddr(email) { var result = false; var theStr = new String(email); var index = theStr.indexOf("@"); if (index > 0) { var pindex = theStr.indexOf(".",index); if ((pindex > index+1) && (theStr.length > pindex+1)) result = true; } return result; } function validate_me() { if(document.comment_form.name.value=="") { alert("يرجى إدخال الإسم"); document.comment_form.name.focus(); return false; } }

 

(2)

 

كما أن الجزيرة العربية لم تكن خالية من الديانتين التوحيديتين المنتشرتين في ذلك الحين، و نعني بذلك وجود عدد غير قليل من اليهود والمسيحيين العرب، و من بينهم ورقة بن نوفل قريب خديجة بنت خويلد أولى زوجات محمد.  و بخصوص الأنبياء فقد ظهر العديد منهم في الجزيرة والحجاز ومن بينهم مسيلمة المشهور اسلاميا بالكذاب ، و النبية سجاح التميمية ، والنبي خالد الذي تقول بعض الروايات أن محمدا قد استقبل ابنته  وقال للجمع الذي حوله أثناء ذلك " هذه ابنة نبي ضيّعة قومه" وفي ذلك كتب جواد علي قائلا:  " و ذكر أهل الأخبار أن ابنة له قدمت على النبي (محمد ) فبسط لها رداءه و قال :  هذه ابنة نبي ضيّعة قومه و ذكر أنها لما سمعت سورة الإخلاص، قالت كان أبى يتلو هذه السورة" .[1]

وعندما يعرض هشام جعيط " للشيطان " يتحدث عنه كما لو كان قد رآه يقول: " القرآن يذكر الشياطين بكثرة و هم فعلا متكاثرون "[2] .  وعند الحديث عن العرب يرجح في موضع من كتابه أنهم لم يعرفوا الشيطان في ثقافتهم، و في موضع آخر يقول العكس، لنتأمل هذين الموقفين المتضادين ، الموقف الأول يعبر عنه المؤلف بقوله : " من جهة ، العرب ، الأرجح أنهم في ثقافتهم الأصلية لم يكونوا يعرفون الشيطان أو الشياطين وهي من حزب إبليس أو من ذريته و إنما يعرفون الجنّ فقط"[3]  الموقـف الثـاني فحواه ما يلي : " نحن نعلم بوجود الهاتف لدى الأعراب ووجود التابع و إن للشاعر شيطانه "[4] ، وهو بذلك يشير إلى ما ألمح إليه العديد من الباحثين و من بينهم حسين مروة الذي يقول : " نلحظ في مثيولوجيا الجاهلية العربية سمة بارزة هي الطبيعة الحسية التي يخلعونها على المعاني، أي على غير الحسية فهم لكي يعبروا مثلا عن معنى الإلهام الشعري يصورونه بصورة كائن حسي مشخص، و يسمونه شيطانا و يضفون على هذا الشيطان خصائص البشر الحسية المرئية والملموسة و المسموعة "[5]

يورد جعيّط بعض الآيات من سورة النجّم وهي تلك التي تشير إلى اللقاء بين جبريل ومحمّد ، ويسكت عن مسألة الآيات الشيطانية المثيرة للجدل والتي ترى المصادر الإخبارية القديمة أن سورة النجّم قد تضمنتها قبل أن يتمّ حذفها من النصّ القرآني، فوفق رواية الطبري مثلا فإنّ محمّدا لما كان يتلو سورة النجّم ووصل إلى الآيات التالية :  " أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى " ألقى الشيطان على لسانه ما يلي:   " تلك الغرانيق العلا وإنّ شفاعتهن لترتجى "[6]

والمعروف أن سورة الحجّ قد تضمنت تأكيدا لهذه الحادثة وأرجحت إيّاه إلى تدّخل الشيطان وإيقاعه الرسل في الخطأ وقد وردت فيها الآيات التالية : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ اللّه ما يلقى الشيطان ثم يحكم اللّه آياته واللّه عليم حكيم".

والسؤال هو لماذا سكت  عن هذه المسألة رغم أنها تقع موقع القلب من البحث الذي قدمه لنا ؟. إنّ الردّ على أسئلة من قبيل: هل يمكن للوحي أن يخالطه كلام مصدره غير إلهي بل وشيطاني هام دونما شكّ ، كما أنّ البحث في موضوع الآيات الشيطانية من زاوية غير تلك التي قدمها لنا النصّ المقدس يفرض ذاته على الباحث، فإذا كانت لمحمّد مثلا أمنية استغلها الشيطان فنفذ من خلالها وأدخل على الوحي الإلهي تحويرا، فما هي تلك الأمنية؟

هل يكفي النصّ وحده للوقوف على هذه المسألة التي تحصّن جعيّط إزاءها بالصمت،  أم إن استنطاقه ينبغي أن يذهب إلى أبعد من ذلك أي إلى الأسباب السياسية والاجتماعية والنفسية الخ… التي حفّت بتشكله، وقد يكون من المفيد هنا العودة إلى ما كتبه حسن حنفي بهذا الخصوص حيث يكشف عن جانب من تلك الأسباب بقوله " وما ورد بخصوص الآيات الشيطانية صحيح. ومن بين أسباب النـزول هو أنّ النبيّ محمّدا كان يحمل همّ الوحدة الوطنية للقبائل العربية وتكوين دولة في الجزيرة العربية، وكانت له مشاكل مع اليهود ومع النصارى (مع اليهود بصورة خاصة) ومع المشركين أيضا. فجاء المشركون إليه بعرض جيّد – وأنا أتكلم عن الرسول كرجل سياسي وليس كنبيّ – وقالوا له : نعم أيّها الأخ ما المانع أن تذكر " اللاّت والعزّى " لمدّة سنة واحدة وقل إنهم ليسوا بآلهة ولكن لهم دور في الشفاعة عند اللّه، وهكذا نأتي معك ونعمل ما تشاء من تغيير النظام في الجزيرة العربية . وكان هوى الرسول مع هذا العرض ، لأنه يحلّ له قضية المشركين وتقسيم العائلة والأسرة والعشيرة إلى فريقين . فقال بينه وبين نفسه : إنّ هذا العرض يشكل بالنسبة لي كزعيم سياسي شيئا جديدا لأنه يحقق لي مصالحة مؤقتة مع العدو. وماذا يعني لو أنني ذكرت اللاّت والعزّى لمدّة سنة واحدة ثمّ أغيّر بعدئذ ؟ ثمّ إنّ الوحي يتغيّر طبقا للظروف "[7]،  وبذلك يكشف حنفي عما سكت عنه جعيّط.

حري إذن  أن يدرس الوحي في علاقة بمثل تلك الأماني التي لا يمكن فهمها بمعزل عن اللحظة الاجتماعية السياسية التي كان يمرّ بها مجتمع شبه الجزيرة العربية ، فشؤون الناس اليومية وتفاصيل حياتهم الأكثر جزئية بل وبعض كلامهم نجده في عدد غير قليل من الحالات منعكسا في الوحي ذاته ، وهذا ما أسهب في الإشارة إليه حسن حنفي أيضا  بقوله " بعض الآيات مقتبسة من أقوال الرسول في نشأتها وسبب نزولها فعندما قال الرسول " دثروني "  " دثروني " نزلت : " يا أيّها المدّثر " وعندما قال :   " زمّلوني " "زمّلوني " نزلت : " يا أيها المزّمل " وبعد نزول آية " وإن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يحاسبكم به اللّه " ضجّ المسلمون فطلب الرسول : قولوا سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربّنا وإليك المصير فتحولت إلى آية : " وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير " [8]

وقد كان ذلك من بين أسباب عديدة أخرى دافعا للتشكيك في وجود مصدر إلهي للوحي من قبل بعض الصحابة ، إذ " يروى أن عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح تكلّم بالإسلام فدعاه الرسول يكتب له فلمّا نزلت " ولقد خلقنا الإنسان من طين " ثمّ أنشأناه خلقا آخر " عجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان فقال : تبارك اللّه أحسن الخالقين، فقال الرسول: هكذا أنزلت عليّ عندئذ شكّ عبد اللّه وقال : لئن كان محمّد صادقا لقد أوحى اللّه إليّ كما أوحى إليه، ولئن كان كاذبا لقلت كما قال ، وإرتدّ وفيه نزلت " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه " [9] .

وبالعودة إلى موضوع الآيات الشيطانية فإنّه إذا عرفنا " أنّ مدّة من الزمن تبلغ حوالي العشر سنوات تفصل بين حديث الغرانيق والآية المدنية في سورة الحجّ التي تشير إلى إلغائه "[10]، أدركنا فعلا أهمية فهم النصّ المقدس في علاقة بـمحدّداته المتخلفة وإلاّ فإنّ ذلك النصّ سوف يظلّ ملغزّا وغير قابل أصلا لأي فهم، وهذا ما توقعنا فيه القراءة موضوع حديثنا، التي فصلت ذلك النصّ عن سياقاته ومقاصده.

وإذا  كان جعيط يتخذ في بعض الحالات مواقف قطعية توكيدية[11]  فإنه في حالات أخرى يتخذ مواقف لا عرفانية ريبية تشككية، فقد أكدّ مرارا في كتابه أن القرآن واضح جلي يكفي أن نقرأه كي ندرك معانيه ،غير أنه عندما تطرق لبعض المشكلات التي تضمنها النص القرآني تحصن باللاعرفانية ، فهو يقول متحدثا عن الوحي " إنما يذكر القرآن فقط أن محمدا يحرك شفتيه  لحفظ ما أنزل عليه ( لا تحرك لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه و قرآنه ) هل المقصود بالحفظ رسمه في الذاكرة ؟ فتكون الآية هنا متعارضة مع آية أخرى (سنقرئك فلا تنسى) و ما معنى قرآنه ؟ هل الله عن طريق الروح هو الذي يوجه التلاوة ؟ و كذلك عندما يتطرق النص المقدس إلى ما يضعه الشيطان على لسان أي نبي  ( و ما أرسلنا من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) ماذا يكون يعني هذا سوى أن لحظة الوحي و لحظة القرآن ليستا تماما منفصلتين، و أن ثمة إشكالا و غموضا لم يخل منهما أي دين "[12]

وهذا الغموض غير قابل برايه للتفكيك و التحليل و بالتالي الفهم ، فكل ما ينبغي قوله إزاءه هو أننا نعجز عن إدراك أسراره، يقول : " و ليس بالطبع للعلم الموضوعي و لا للفلسفة قول في هذا المجال، و لا معنى لأي فزيائي أن يقرر أن الأنبياء لم يروا الله أو لم يحصل لهم تجل ما، و ليس للفيلسوف أن يفسر عقليا هذه الظواهر كما حاول ذلك مسكويه في الفوز الأصغر و ليس حتى للعالم النفساني قول حصيف في هذا الميدان و لا يحق ذلك للمؤرخ طبعا".[13]

لا الحل إذن غير التسليم  و القبول، أي إن لا عرفانية جعيط تخلي السبيل في هذا المجال إلى الإيمانية، إنها التضحية بالمعرفة على عتبة الإيمان كما يقول فريدريك أنجلس. و من ثمة ينصح المؤلف العلماء والفلاسفة بمحبة الأديان بل انه يرفع نصائحه إلى مستوى الأوامر قائلا:  " من ينظر اليوم إلى الأديان الماضية و الحاضرة من أهل العلم و الحكمة و حتى سلامة العقل ينظر إليها بمحبة و تقدير و يجب عليه ذلك"[14] والويل والثبور لمن لا يلتزم بهذه الأوامر !هل نحن أمام خطاب علمي أم أمام خطاب لاهوتي إيماني مشحون بصيغ أمرية زجرية ؟ .

إن أحكام السيد جعيط الوثوقية حينا ، و اللاعرفانية أحيانا أخرى،  تعبر عن أزمة مستفحلة أضحت تهز كيان عدد من المثقفين العرب الذين يعانون حالة ضياع حقيقية، في عالم يغرق أكثر فأكثر في الهمجية ، المقترنة بإهدار كرامة البشر أفرادا و أمما و أوطانا،  إنه القلق على المصير و على الهوية، على المستقبل و الماضي كذلك، فيبحث هؤلاء عن حصن يحتمون به ، و بعضهم يصيح إن ذلك الحصـن هـو الإيمـان فـ"المسألة ذات أهمية قصوى و تخص أنسنة الإنسان و تخليصه من القلق"[15] ، و لكنه إيمان خاو رجراج سرعان ما يكشف عن قصوره " فالقلق " يظل ينيخ بكلكله رغم كل شيء،  و الحل يبدو بعيد المنال و لا ضوء في النفق،  لذلك نرى جعيط ذاته يكتب نافيا ما سبق تأكيده قائلا : " مع أن الأديان لم تخلصه [الإنسان] من آفاته، و أدخلت عليه أيضا عنصر الرهبة "[16]

إنـه خطـاب مشـوب بالتردد و التلعثم لا يكاد يضع قدميه على أرض حتى يغادرها ممارسا ترحاله الأبدي في بيداء مقفرة. و هذا الخطاب هو فعلا ابن اللحظة الراهنة التي لم يفصح فيها الواقع بعيد عن اتجاهات سيره القادمة ، فالسيد جعيط "يربط في موضع و يحل في موضع آخر"[17]  بحسب تعبير الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل.

 

[1]  جواد علي ، الـمفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج  6   ، دار العلم للملايين/ بيروت، ومكتبة النهضة /بغداد 1970، ، ص 84

[2]  جعيط ، القرآن والوحي والنبوة، م س، ص 88

[3]  م ن، ص 88

[4]  م ن، ص 89

[5]  حسين مروة ، النزاعات المادية في الإسلام، م س، ص 288

[6] أنظر ، تاريخ الطبري ج 2، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ،  دار المعارف،  القاهرة 1961 ، ص ص ، 338 - 340

[7] حسن حنفي ، ندوة مواقف ، الإسلام والحداثة ، دار الساقي ، الطبقة الأولى ، لندن 1990

[8] م ن، ص 157

[9] م ن، ص ن

[10] صادق جلال العظم : ذهنيّة التحريم ، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي ، الطبعة الثانية ، نيقوسيا ، قبرص  1994، ص 182

[11]  من بين هذه المواقف قوله في الصفحة 98 من كتابه الوحي والقرآن والنبوة ما يلي : "فظاهرة الوحي التي لم ينكرها أحد من الفلاسفة والعلماء" ولا نرى أننا في حاجة لكي نعدد أسماء الفلاسفة والعلماء الذين لم ينكروا الوحي فقط وإنما المقدسات جميعها، والذين لم يخل منهم أي عصر.

[12]  جعيط ، الوحي والقرآن والنبوة، م س، ص 92

[13]  م ن، ص ن

[14]  م ن، ص 93

[15]  م ن، ص 93

[16]  م ن، ص 94

[17]  ابن طفيل، حي بن يقظان، تحقيق فاروق سعد، الدار العربية للكتاب، الطبعة الرابعة، تونس 1983، ص 113