في نقد الفكر الديني
جاد الكريم الجباعي
الدين والأيديولوجية الدينية والفكر الديني ثلاثة حقول أو ثلاثة مجالات مختلفة ومتداخلة يقتضي النظر العقلي فض اشتباكها وتعيين حدود كل منها، قبل الشروع في الحديث عن نقد الفكر الديني في الثقافة العربية المعاصرة، لأن نقد الفكر الديني يدخل في باب تاريخ الأفكار، الذي لا يعرف على حقيقته إلا من خلال الأفكار ذاتها، انطلاقاً من حقيقة أن الفكر هو الشكل الأكثر تجريداً للواقع العياني؛ فعلاقة الفكر بالواقع هي ذاتها علاقة الشكل بالمضمون. الواقع هو محتوى الفكر ومضمونه، بما في ذلك الفكر الديني ذاته، فالتفكير في الدين هو التفكير في موضوع خارجي، في ظاهرة تاريخية ذات أبعاد اجتماعية وثقافية وسياسية وأخلاقية ونفسية وأنتروبولوجية، أي في شيء دنيوي (من إنتاج الإنسان ومن أجله) ولكنه مرفوع إلى درجة التمام والكمال والقداسة والخلود؛ ومن رفعه إلى هذه الدرجة هو الإنسان ذاته. وهذا غير التفكير الديني، بما هو تفكير في الخلق والمعاد وفي الموت والخلود، وفي الكمال، في الخير المطلق والحق المطلق والجمال المطلق؛ وما ذلك إلا لأن الإنسان مفطور على النقص والاحتياج، ولأن الفرد الإنساني متناه ومحدود الأجل، وهذه المطلقات نفسها هي مسائل الفلسفة، وليس من الغلو القول: إن لمعظم المسائل والمقولات الفلسفية جذراً دينياً أو أصلاً دينياً. فالحد الأول لموضوعنا هو تمييز الفكر الديني من التفكير الديني، الأول، أي الفكر الديني هو تفكير في موضوع خارجي، أي في ظاهرة واقعية وتاريخية؛ أما الثاني فهو تفكير في موضوع داخلي، فهو من ثم شأن من شؤون الذاتية.
ولما كان التاريخ تنويعة على الأشكال وتوقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، بتوسط العمل البشري، فإن الفكر الديني، في مغزاه الأكثر عينية هو أحد أشكال العالم، كما تخيله الإنسان، منذ استوى على عرش المعرفة والعمل بستانياً للعالم؛ ومحاولات تعرفه ونقده هي بالأحرى محاولات تعرف الواقع ونقده من أجل تجاوزه أو من أجل التأثير فيه والتدخل في حركته، ولذلك احتل الدين والفكر الديني ونقدهما موقعاً مهماً في تاريخ الفكر، وكان نقد الدين أو "نقد السماء" دوماً مدخلاً إلى نقد الأرض، بتعبير كارل ماركس. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة وبهذا الوضوح، فالفكر الديني هو شكل لمضمون ذي طابع مزدوج هو الدين، فهو شكل لموضوع داخلي هو التقديس والتأليه من جهة، وشكل لموضوع خارجي هو التجربة الإنسانية في انبساطها وتطورها، في العالم وفي التاريخ من جهة أخرى.
نقصد بالفكر الديني الإنتاج النظري (البشري) في ميدان الدين، أي في ميدان العقائد والعبادات والمعاملات، وفي ميدان التقديس والتأليه وما يقابلها بالتضاد من صفات ومفاهيم، أو ما يطلق عليه اسم التيولوجيا، بوصفها مطلباً من مطالب "العقل المكوِّن" ومظهراً من مظاهر "العقل المكوَّن". ومع أننا سنتناول بعض أعمال من نقدوا الفكر الإسلامي بوجه خاص، إلا أن العنوان الذي وضعناه يبقى صحيحاً وأكثر موضوعية، لا لأن الإسلام دين كغيره من الأديان فقط، بل لأن الإسلام والفكر الإسلامي لا يخلوان من تأثير الأديان المزامنة للإسلام والسابقة عليه ومن تأثير الأفكار الدينية لغير المسلمين من القدامى والمحدثين والمعاصرين، ومن ثم فإن نقد الفكر الإسلامي هو في الوقت ذاته نقد للفكر الديني. فإن خصوصية الإسلام المزعومة ليست سوى إحدى تجليات عمومية الظاهرة الدينية، أو عمومية الدين.
وإذ نفترض أن لنقد الفكر الديني في الثقافة الحديثة رسالة تنويرية يتوجب علينا أن نتساءل: هل كان نقد الفكر الديني في الثقافة العربية موقفاً تنويرياً يؤسس لعمل تاريخي كلي، أي لنهضة ممكنة وواجبة أم كان مجرد رد فعل على تردي الواقع السياسي وتحول السياسة إلى أدلوجة بحصر المعنى؟
الدكتور نصر حامد أبو زيد يضع نقد الفكر الديني، أو نقد الخطاب الديني في سياق مشروع يرمي إلى تجديد الفكر العربي، ويأخذ على قوى التقدم العقلانية منازلة الفكر الغيبي على أرضه منازلة غدت أقرب إلى السجال الأيديولوجي، لأنها لم تشرع في "تحقيق وعي علمي بطبيعة النصوص الدينية وبطرائق قراءتها وتأويلها. وفي مثل هذه الحال تظل الغلبة للخطاب الديني. ويرى أن الوقت قد حان "للخروج من هذا المأزق والتخلص من عقدة التأويل المضاد للنصوص، بتحديد طبيعة النص الديني وآلياته في إنتاج الدلالة"[1].
وإذ يؤكد أن الدين "يجب أن يكون عنصراً أساسياً في أي مشروع للنهضة، يرى أن "تحليل الدين وفهمه وتأويله تأويلاً علمياً ينفي عنه الأسطورة ويستبقي ما فيه من قوة دافعة نحو التقدم والعدل والحرية" هو المعنى العميق للعلمانية التي ليست سوى "التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين وليست ما يروج له المبطلون من أنها الإلحاد الذي يفصل الدين عن المجتمع والحياة"[2]. ولا يخفى ما في هذا القول من مجاملة للدين وللفكر الديني، لم يردا عليها بمثلها، بل ردا عليها بتكفير الرجل وهدر دمه والحكم بتطليق زوجته منه، لذلك لا بد من تقرير أن الدين ليس عنصراً من عناصر أي مشروع نهضوي، بمعايير النهضة الحديثة، إلا إذا كنا نتحدث عن نهضة دينية (إسلامية) أو نهضة ملغومة، كالنهضة العربية الأولى، التي طبعت بطابع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لا بطابع فرح أنطون وشبلي شميل. وهذا لا ينفي بالطبع أهمية الإصلاح الديني وضرورته، وهو إصلاح لا يمكن أن يضطلع به علمانيون، كنصر حامد أبو زيد أو صادق جلال العظم وأمثالهما. ولا بد أن نقرر أيضاً أن أي "تأويل علمي" للدين لا ينفي عنه الأسطورة فحسب بل ينفي كونه ديناً، فالدين يكف عن كونه ديناً إذا حذفنا منه العناصر الأسطورية والغيبية والعجائبية؛ ومن ثم، فأن التأويل العلمي لا يفضي إلى استثمار ما في الدين من قوة دافعة إلى التقدم والعدل والحرية. فإن قيم التقدم والحق والعدل والحرية والمساواة وغيرها صارت قيماً إنسانية عامة، وكان للدين أثر مهم في ذلك، بلا شك. فإن أي مشروع نهضوي يستحق هذه الصفة لا بد أن يتأسس على هذه القيم الإنسانية، ما يعني أن محاولة التأويل العلمي للدين ليست سوى جهد ضائع، فهي لا تخدم المشروع النهضوي من جهة ولا تتوفر على أي مشروعية تجعلها مقبولة لدى جماهير المؤمنين من جهة أخرى؛ فكيف يمكن إقناع المسيحي بأن يسوع المسيح ليس ابن الله، أو إقناع المسلم بأن الملاك جبريل لم يوح لمحمد بن عبد الله بالقرآن، أو بأن الرسول لم يعرج إلى السماء السابعة، أو إقناع اليهودي بأن موسى لم يشق البحر بعصاه ولم يكلم الله من وراء حجاب ....؟. ربما كان البعد الأسطوري، الميثي، والبعد الغيبي والبعد العجائبي ضرورية لكي يكون الدين ديناً، فماذا يتبقى من الدين إذا اجتهدنا بحذف هذه العناصر أو غيرها مما يعارض التحليل والتأويل العلميين؟ الموقف العلمي، في اعتقادي، هو أن يؤخذ الدين كما هو، وكما يعرفه أتباعه ومعتنقوه، والتحليل العلمي يتقوم في كشف الأسباب التاريخية للتقديس والتأليه، وفي تلمس ملامح الواقع الذي نشأ فيه هذا الدين أو ذاك من خلال الدين ذاته، على نحو ما فعل طه حسين في كتابه الشهير "في الشعر الجاهلي"، إذ انطلق من افتراض أن "القرآن هو مرآة الحياة الجاهلية"، فأسباب نزول آياته وسوره تؤكد ذلك؛ فإن أسباب النزول هي السند الموضوعي لتاريخية النص المقدس. وإلى ذلك يبدو من الضروري مناقشة تعريف الدكتور أبو زيد للعلمانية بأنها "التأويل الحقيقي والعلمي للدين"، وهو تعريف لا يخلو من غرابة، لأنه يجعل من العلمانية موضوع سجال أيديولوجي ليس غير، إذ من الذي سيقرر أن هذا التحليل هو وحده التحليل الذي استوفى شروط التحليل العلمي وصفاته، وأنه ليس قابلاً للنقد والنقض، مع أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه، كما يقول فيلسوف العلم كارل بوبر؟ ومن الذي يضمن أن التأويل "العلمي" ليس ضرباً من التلفيق؟. ولعل هذا التعريف نفسه هو أحد منتجات السجال الأيديولوجي حول العلمانية في بلادنا.
يعتقد أبو زيد أن الفرق بين الخطاب الديني والمعتدل والخطاب الديني المتطرف هو فرق في الدرجة فحسب، إذ تتطابق المنطلقات الفكرية وآليات إنتاج الخطاب، ويتداخل الاعتدال والتطرف والفكر والأيديولوجية والفقهاء والوعاظ. وقد أجمل هذه الآليات في ما يأتي:
1 – التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.
2 – تفسير الظواهر كلها بردها جميعاً إلى مبدأ أو علة أولى تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية والطبيعية.
3 – الاعتماد على سلطة السلف أو "التراث" وذلك بعد تحويل النصوص التراثية، وهي نصوص ثانوية، إلى نصوص أولية تتمتع بقسط هائل من القداسة، لا تقل في كثير من الأحوال، عن النصوص الأصلية.
4 – اليقين الذهني والحسم الفكري "القطعي" ورفض أي خلاف فكري، من ثم، إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول.
5 – إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل، يستوي في ذلك العصر الذهبي للخلافة الرشيدة وعصر الخلافة التركية العثمانية (14).
أما المبادئ التي يتفق عليها المعتدلون والمتطرفون فأهمها: حاكمية الله وسلطة النص المقدس" وإن امتاز المتطرفون بتكفير المخالف والمختلف[3] وتغيير المنكر باليد.
ويذهب أبو زيد إلى أن مجال فعالية النصوص الدينية كان مستقلاً عن مجالات فعالية العقل والخبرة العملية، منذ اللحظات الأولى في التاريخ الإسلامي (28) ، ويستدل على ذلك بجملة واحدة منسوبة إلى الرسول: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم". وهو مذهب يفتقر إلى الدقة والضبط المنهجيين، ويجافي حقائق التاريخ. وأحسب أن أبو زيد وكثيرين من المنافحين عن العلمانية وقعوا في هذا الفخ، فخ استقلال مجالات الحياة الاجتماعية واستقلال مجالات المعرفة عن السلطة السياسية / الدينية التي كانت تستمد مشروعيتها من السماء. وجذر هذا الوقوع السهل هو محاولة تأسيس العلمانية في التراث، بحسب الجابري، وهي محاولة تلفيقية في الأساس. في هذا الصدد لا بد من ملاحظة أن مجالات الحياة الاجتماعية لم تنفرز ولم يستقل كل منها استقلالاً نسبياً عن بقية المجالات، ولا سيما عن المجال السياسي، إلا في العصر الحديث، مع نشوء الطبقة الثالثة (البورجوازية) وتشكل نمط الإنتاج الرأسمالي. فإن تاريخ بلادنا، حتى سقوط الإمبراطورية العثمانية هو تاريخ اختلاط جميع مجالات الحياة الاجتماعية واندماجها في مجال واحد هو مجال السلطة الاستبدادية. فالاستبداد يقوم على دعامتين ألأولى هي الاحتكار، والثانية هي السيطرة على جميع مجالات الحياة الاجتماعية، بجميع الوسائل المتاحة ومنها الدين الوضعي. فمن الصعب وهذه الحال قبول فرضية استقلال مجال فعالية النص الديني عن مجال فعالية العقل والخبرة العملية، منذ اللحظات الأولى في التاريخ الإسلامي. فحين نتحدث الحياة الاجتماعية وفعالية العقل والخبرة العملية قبل نحو ألف وخمسمئة سنة، لا يجوز أن ننسى واقع أن الحياة كانت أقرب إلى كونها تجربة دينية، فقد كان الدين يدخل في جميع تفصيلات حياة الفرد والجماعة. ويبدو أن عدم تمييز مجال الدين من مؤسسة الدين الوضعي يؤدي إلى كثير من الارتباك والتشويش. فإن مؤسسة الدين الوضعي، أعني المؤسسة المشيخية والفقهية ومؤسسة الإفتاء ومؤسسة الوقف ..، لم تكن في واقع الأمر سوى أداة من أدوات السلطة ومظهر من مظاهرها. على مر التاريخ كان هنالك اندماج أو تكامل وظيفي بين السلطة "الروحية" و"السلطة الزمنية"، وحركات الإصلاح الديني في العصر الحديث وكذلك الحركة العلمانية كانت في أحد جوانبها احتجاجاً على ازدواجية السلطة، أدى إلى نشوء "الكنيسة الوطنية" في مقابل سلطة الكرسي البابوي. وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن الإسلام دين ودنيا ودولة، كما افترض حسن البنا وتبعه الآخرون، بل يعني أن الدين كان دوماً أحد مصادر السلطة، شأنه في ذلك شأن مصادرها الأخرى، وأحد مصادر مشروعية السلطة، وأحد أقنعة الاستبداد. إذ القول إن الإسلام دين ودنيا تناقض في ذاته، والقول إن الإسلام دين ودولة رد عليه كثير من العلماء، في مقدمهم علي عبد الرازق، وليس على ما وصل إليه من مزيد، فضلاً عن تناقض هذه المقولة مع "مكارم الأخلاق".
فمنذ القدم كان الخطاب الديني لأي جماعة يوحد بين النصوص وبين قراءته وفهمه لها، وهي عملية أقرب ما تكون إلى الاستيلاء على النص المقدس واحتكار حق تفسيره وتأويله على وجه مخصوص، على نحو يصير معه كل تفسير أو تأويل مخالف ضرباً من الانحراف، إن لم نقل ضرباً من الكفر، وتلكم هي آلية نشوء الأرثوذكسيات. وليس بخاف أن كل أرثوذوكسية كانت تستند على مظهر ما من مظاهر القوة وعلى عصبية ما من العصبيات المعروفة. وليس هذا التوحيد وقفاً على الخطاب الديني المعاصر، وإلا لما ظهرت المذاهب ولما تعددت الآراء والاجتهادات، ولا سيما أن الموضوع الديني موضوع مباشر للمعرفة، وهو موضوع حدس وخيال. وما يأخذه أبو زيد هنا على الخطاب الديني يمكن أن يؤخذ على أي خطاب مفتوح وقابل لتعدد القراءات، لولا طابع القداسة الذي يلازم النص الديني.
إن نقد الفكر الديني يفترض أن يتجه نحو هدفين: أولهما تعيين موقع الدين في تاريخ الجماعات البشرية وأثره في تطور الحياة الاجتماعية وارتقائها، على نحو ما فعل جورج قرم في عمله المهم "تعدد الأديان وأنظمة الحكم"، أو على نحو ما فعل .... في كتابه المميز "تاريخ المتقدات الدينية" .... والثاني افتتاح دراسة الدين بوصفه ظاهرة تاريخية، وشكلاً من أشكال الوجود الاجتماعي، والإسلام ليس خارج هذا الإطار، لأن كل محاولة لإخراج الإسلام من نطاق هذه الظاهرة التاريخية وتمييزه على أنه دين ودنيا ودولة تصب في تعزيز الوعي الأيديولوجي، وتدحضها حقائق الواقع وحقائق التاريخ.
يعتقد أبو زيد أن "دعوة الإسلام، في جوهرها، دعوة لتأسيس العقل، في مجال الفكر، والعدل، في مجال السلوك الاجتماعي" (59) ، وأن الخطاب الديني ظل حريصاً على نفي أي تعارض بين العقل والنص، حتى كانت أولى محاولات إلغاء العقل، التي يسميها "حيلة التحكيم" في صفين، والتي "نقلت الصراع من مجاله الخاص السياسي الاجتماعي إلى مجال آخر هو مجال الدين والنصوص" (61). وحينما يتحول الصراع من مجال الواقع إلى مجال النصوص يصير العقل تابعاً للنص، وتقتصر وظيفته على تسويغ الواقع أيديولوجياً، ويتسع حقل فاعلية النص إلى حد الهيمنة على الخطاب. وتجلى ذلك في مبدأ الحاكمية، حاكمية الله. فتبدو المسألة كأنها مسألة اختلال التوازن أو التناسب بين العقل والنص، فكلما اتسع مجال فاعلية النص ضاق مجال فاعلية العقل وبالعكس. ويستنتج من ذلك "أن الخطاب السلفي يتعارض مع الإسلام، حين يتعارض مع أهم أساسياته، "العقل"، ويتصور أنه بذلك يؤسس "النقل"، والواقع أنه ينفيه بنفي أساسه المعرفي"؛ ويقرر أن "العودة إلى الإسلام لا تتم إلا بإعادة تأسيس العقل في الفكر والثقافة" (62) بخلاف ما يدعو إليه الخطاب الديني المعاصر من تحكيم النصوص.
إذاً، "الهجوم على التفكير العقلي ورفض الخلاف والتعددية، قديماً وحديثاً"، هما من الأسس التي قام عليها مفهوم الحاكمية. الأساس الثالث هو "وضع الإنساني مقابل الإلهي، والمقارنة الدائمة بين المنهج الإلهي ومناهج البشر". و"مثل هذا الفصل يتجاهل حقيقة هامة ثابتة في الوحي الإلهي ذاته بوصفه تنزيلاً، أي بوصفه حلقة وصل وخطاباً يتواصل به الإلهي والإنساني؛ وبعبارة أخرى: إذا كان الخطاب الإلهي، المتضمن لمنهجه، يتوسل بلغة الإنسان "تنزيلاً"، مع كل علمه وكماله وقدرته وحكمته، فإن العقل الإنساني يتواصل مع الخطاب الإلهي "تأويلاً"، بكل جهله ونقصه وضعفه وأهوائه" (63). هكذا يعيد أبو زيد إنتاج ثنائية التنزيل والتأويل، ويحصر وظيفة العقل الإنساني في إنتاج تأويلات جديدة لنصوص قديمة؛ أي إنه يعيد إنتاج السلفية بلغة "نقدية" ليس لها أي مردود معرفي. أريد أن أشير هنا إلى الطابع السجالي لكتاب نصر حامد أبو زيد. والسجال خطاب عقيم.
يطرح أبو زيد مفهوم تاريخية النص، لا من زاوية علم أسباب النزول وعلاقة النص بالواقع، فقط، ولا من زاوية علم الناسخ والمنسوخ وتغير الأحكام لتغير الظروف والملابسات فحسب، بل من زاوية "تاريخية المفاهيم التي تطرحها النصوص من خلال منطوقها، وذلك نتيجة طبيعية لتاريخية اللغة التي صيغت بها النصوص"، ويتفق مع القائلين بأن النصوص قادرة على إعادة إنتاج دلالاتها وعلى مخاطبة عصور تالية ومجتمعات مختلفة[4]،إذ النصوص ثابتة في المنطوق ومتغيرة في المفهوم، وكل قراءة تقوم، من ثم، على آليتين متكاملتين: الإخفاء والكشف. ويرى أن النصوص، دينية كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة، والمصدر الإلهي للنصوص الدينية لا يخرجها عن هذه القوانين، لأنها، أي النصوص الإلهية، تأنسنت منذ تجسدت في التاريخ واللغة، وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر، في واقع تاريخي محدد". ومطلب أبو زيد هنا هو إخضاع النصوص الدينية، شأن غيرها من النصوص، للعلوم الإنسانية الحديثة، ولا سيما علوم اللغة ومناهجها الحديثة. وهو ما أثار حفيظة التيولوجيين ومؤسسات الدين الوضعي. بيد أن ما يثلم موقف أبو زيد النقدي ويخفض من مردوده المعرفي، هو عدم ربط تاريخية النصوص الدينية بتاريخية الدين نفسه، ما يجعل من عمله نقداً "من الداخل"، أي من داخل المجال الديني ونسقه المعرفي، ولهذا النوع من النقد قيمته ومشروعيته بلا شك. ولا ندري إلى أي مدى يصح القول: إن النصوص الدينية ليست بينة بذاتها ولا ناطقة عن نفسها، وإن كانت لغتها واضحة الدلالة ومعاصرة للقارئ، إذ يتدخل أفق القارئ الفكري والثقافي في فهم لغة النص وفي إنتاج دلالته.
وفي مقاربة أخرى ينقب أبو زيد عن معنى النص في التراث، ويحدده بالوضوح والدلالة القطعية التي لا مجال فيها لأي درجة من الاحتمالية، ويخلص إلى أن النصوص عزيزة نادرة، "وما ثم نص يرجع إليه إلا يتطرق له الاحتمال"، لكي يكشف الخداع الأيديولوجي الذي يمارسه الخطاب الديني المعاصر حين يرفع في وجه العقل والاجتهاد مبدأ: "لا اجتهاد في ما فيه نص" ذلك لأن هذا الخطاب "لا يعني بالنص ما يعنيه التراث"[5]. فأبو زيد هنا يحارب الخطاب الديني بسلاحه، أي بسلاح التراث ذاته.
القرآن، في نظر نصر حامد أبو زيد، "نص ديني ثابت من حيث منطوقه[6]، لكنه من حيث يتعرض له العقل الإنساني ويصبح "مفهوماً" يفقد صفة الثبات[7]، إنه يتحرك وتتعدد دلالته. إن الثبات من صفات المطلق والمقدس، أما الإنساني فهو نسبي متغير، والقرآن نص مقدس من ناحية منطوقه، لكنه يصبح مفهوماً بالنسبي والمتغير، أي من جهة الإنسان، ويتحول إلى نص إنساني "يتأنسن". ومن الضروري هنا أن نؤكد أن حالة النص الخام المقدس، (أي قبل أن يتعين في لغة)، حالة ميتافيزيقة لا ندري عنها شيئاً إلا ما ذكره النص عنها ونفهمه بالضرورة من زاوية الإنسان المتغير والنسبي. النص منذ لحظة نزوله الأولى، أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي، تحول من كونه (نصاً إلهياً) وصار فهماً (نصاً إنسانياً) لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل" (93).
حالة النص الخام المقدس "حالة ميتافيزيقية"، لا ندري عنها شيئاً، ولو ذكره النص، بخلاف ما يذهب إليه نصر حامد أبو زيد، وإذا كان فهم الرسول له لا يطابق دلالته الذاتية، "على فرض وجود مثل هذه الدلالة"، فإن النص الذي نطق به الرسول، نعني القرآن، هو نص بشري فحسب، والقائلون بخلاف ذلك يطابقون بين المطلق والنسبي، بين المقصد الإلهي والفهم الإنساني، ما يؤدي إلى تأليه النبي. لأن الحالة الميتافيزيقية، أي حالة الفكرة بلا "وعاء" لغوي هي حالة افتراضية، على خلاف في تعريف اللغة: هل هي "وعاء" للفكر، أم هي الفكر ذاته؟. وإذا كان النص الإلهي مقدساً، وكانت اللغة وعاء الفكر فإن اللغة بشرية ومحتواها إلهي، أي إن البشري هو تعين الإلهي واتخاذه شكلاً بشرياً، وهكذا نكون في الحلولية. أما على افتراض أن اللغة هي الفكر فإن القرآن نص بشري منطوقاً ومفهوماً، بتعبير أبو زيد وبخلاف ما يذهب إليه. نثير هنا إشكالية معرفية من الدرجة الأولى، هي إشكالية الشكل والمضمون، إذ الشكل، في مغزاه الأكثر عينية، هو العقل، بوصفه معرفة نظرية؛ والمضمون هو العقل، بوصفه الماهية الجوهرية للواقع، سواء كان واقعاً طبيعياً أو أخلاقياً، بتعبير هيغل. والعقل "قبس من النور الإلهي"، الذي يبدد ظلمات النفس الأمارة بالسوء وظلمات العالم، وهو كما عرفه أبو حيان التوحيدي: صورة المعقول في نفس العاقل. هذه الصورة هي شكل ومضمون ثابتان معاً وقابلان للتغير معاً، لا الشكل ثابت باطراد، ولا المضمون ثابت باطراد. ومن ثم، لا يجوز النظر إلى الثابت إلا بوصفه لحظة معطاة من لحظات الصيرورة، أي بوصفه كينونة. منطقياً وواقعياً، الكينونة لحظة فحسب من لحظات الصيرورة، لحظة فحسب من لحظات الديالكتيك. الثابت ثباتاً مطلقاً هو "الحدث" الذي تحقق فحسب، الحدث الذي كان: النطق بالقرآن، على سبيل المثال، أو معركة صفين، كلاهما في المنزلة ذاتها، من حيث الكينونة، أو من حيث الكون؛ وكل كائن، سوى الله، هو ناتج وصائر، هنا بالضبط تكمن تاريخية النص. استعادة ما كان أو تحيينه أو ترهينه، أي جعله راهناً، موقف أسطوروي، مؤداه انتزاع الحدث من سياقه التاريخي وتحويله إلى أسطورة، أو تجريد الكون من بعده الزماني/ المكاني، والأسطورة هي طفولة العقل البشري الباكرة.
حركة النص المقدس، بتفاعله مع العقل البشري، حركتان: حركة في النفوس عامة، وفي نفوس المؤمنين خاصة، وهي حركة خفية وعصية على الحصر والضبط، إذ كل سامع أو قارئ يسهم في إعادة إنتاج المعنى في ذاته، فهنالك قراءات بقدر عدد القراء على مر التاريخ. والثانية حركة في الواقع هي القراءات التي تحولت إلى أرثوذوكسيات، إي إلى فرق ومذاهب، وهذه لا يمكن مقاربتها مقاربة موضوعية إلا في سياق التحليل التاريخي لنشوء الفرق والمذاهب وللمرجعيات الفكرية والأطر الاجتماعية والسياسية والثقافية والأخلاقية التي أسهمت في تشكيلها. وتجدر ملاحظة أن شغفنا، نحن العرب، بـ "التاريخ"، الذي ينحل في مفهوم الماضي، ولا يتجاوزه إلا لدى قلة من المؤرخين والمفكرين والباحثين، يقابله جهلنا بعلم التاريخ، ولذلك لا نزال جماعات مغلقة لكل منها "تاريخها" الخاص.
يؤكد أبو زيد أن "الواقع هو الأصل، ولا سبيل لإهداره؛ من الواقع تكون النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفعالية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولاً والواقع ثانياً والواقع أخيراً، وإهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت يحول كليهما إلى أسطورة .. " (99). ثمة إذاً تضامن بين مبدأ الحاكمية، حاكمية الله، وسلطة النص. الحاكمية مؤيدة بالنص المقدس الجامد، والنص مؤسس على الحاكمية في شؤون الدين والدنيا. ومغزى هذا التضامن هو نفي حرية الإنسان، وإهدار الروح الإنساني الذي يسري في الدين.
إذا كان الواقع هو الأصل والعقل هو المرجع والحكم، بحسب منطوق أبو زيد، وإذا كانت "النصوص أبنية لغوية لا تفارق النظام الدلالي للغتها" واللغة تتطور بتطور حركة المجتمع والثقافة، فتصوغ مفاهيم جديدة أو تطور دلالات ألفاظها"، فكيف يستقيم أن نعود إلى تلك النصوص ونعيد تأويلها "بنفي المفاهيم التاريخية الاجتماعية الأصلية وإحلال المفاهيم المعاصرة والأكثر إنسانية وتقدماً، مع ثبات مضمون النص. ؟!" (102) وهل حقاً "أن تأويل ما هو اجتماعي تاريخي في النصوص شرط لتجدد النصوص ذاتها، بتجدد ما هو جوهري أساسي وإسقاط ما هو عرضي مؤقت بالنسبة لشروط اجتماعية تاريخية مغايرة"؟!
إذا كان نقد الخطاب الديني سيقودنا مرة أخرى إلى تأويل جديد لنصوص قديمة، فإن هذا التأويل لن يكون أكثر أو أقل مشروعية من تأويلات أخرى قديمة وجديدة، ومن ثم فنحن في الدائرة المغلقة ذاتها. إن مشروعية نقد الخطاب الديني تتأتى من كشف سلفيته وتناقضاته وتهافته، لتعرية المؤسسة التي تنتجه والكشف عن شبكة المصالح الدنيوية التي تقوم عليها، وإسقاط اعتبارها كلياً وتحرير ضمائر المؤمنين من سلطتها المستبدة. فالمشكلة ليست في الخطاب الديني، بل في مؤسسة الدين الوضعي، نعني المؤسسة المشيخية والمؤسسة الفقهية ومؤسسة الإفتاء التي أسست الاستبداد الديني وكانت ولا تزال ظهيراً للاستبداد السياسي.
نقد خطاب اليسار الإسلامي:
يرى أبو زيد أن إرهاصات حركة "اليسار الإسلامي" ترجع إلى "كتابات سيد قطب في أوائل الخمسينات، خاصة في "معركة الإسلام والرأسمالية" و "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، كما نجدها في "اشتراكية الإسلام" لمصطفى السباعي، أحد أقطاب الأخوان المسلمين في سورية. ولا شك أن هذه الإرهاصات تمثل امتداداً طبيعياً للتأويل العقلاني للإسلام الذي طرحه كل من الأفغاني ومحمد عبده استجابة للتحدي الحضاري الذي طرحه الآخر "الغربي" من جهة، واستناداً إلى التراث العقلاني للمعتزلة وابن رشد من جهة أخرى" (120). بيد أن هذا التيار العقلاني لم يدم طويلاً، وظل على هامش الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة بوجه عام وعلى هامش الفكر الديني بوجه خاص، وهذا مما يحتاج إلى وقفة خاصة عنده، لا يتسع لها هذا المقام. وليس الأمر كذلك فحسب، بل إن كثيرين من رموز هذا التيار تحولوا إلى محافظين، على نحو ما جرى في مختلف اتجاهات اليسار العربي، وأحد مظاهر الارتحال من اليسار إلى اليمين كان إعادة طرح مبدأ الحاكمية بدءاً من سيد قطب في كتابه الشهير "معالم في الطريق" وإعادة إنتاج التضامن بين الحاكمية والنص، من خلال تأويل تجديدي أو تلوين جديد للجزئيات والفروع من دون المساس بالأسس والمبادئ والأصول، وهذه الأخيرة وحدها هي التي يمكن أن تكون قابلة للحياة وصالحة للبسط والإنماء والبناء عليها أو ألا تكون.
ويجمل أبو زيد خصائص خطاب اليسار الإسلامي، الذي سيطر عليه هاجس البحث عن بعدي "الإنسان" و "التاريخ" المطمورين في تراثنا الديني وإعادة اكتشافهما من أجل الحاضر، فضلاً عن البعد الاجتماعي المطمور تحت دعوى "وحدة الجماعة"، يجمل الخصائص التي تقبع في أساس إخفاقه أو محدودية مردوده التنويري، في ثلاث هي:
1 – سعيه إلى "التوفيق بين أطراف لم ترصد جوانب الخلاف أو الاتفاق بينها بدقة"، ويشير بوجه خاص إلى علم الكلام المعتزلي وعلم الكلام الأشعري.
2 – "يجمد الحاضر في إسار الماضي، ويجعله خاضعاً له ولمعطياته خضوعاً شبه تام. وقد أدى هذا إلى خوض معارك الحاضر في الماضي وإلى إخضاع الفكر للسياسة وتغليب الأيديولوجي على الأبيستيمولوجي".
3 – يتجاهل السياق التاريخي / الاجتماعي للتراث (علم الكلام)، ويعامل معه بوصفه بناء شعورياً مثالياً مفارقاً لزمانه ومكانه، رغم نشأته منهما.
فتحول "هدف "إعادة البناء" إلى إعادة طلاء، وتحول التجديد إلى تجاور بين القديم والجديد، ووقع المشروع كله في التلوين بقدر ما تباعد عن التأويل" (172)
بيد أن أبو زيد الذي يرصد تناقضات الخطاب اليساري أو نقائضه لتوكيد طابع التوفيق والتلوين، ينوه بالجهد الواضح في تأويل العقائد، ولا سيما عقيدة الألوهية وقضية الوحي وجعل الواقع وسطاً بين العقل والنقل ومرجعاً لهما، ويأخذ على هذا الخطاب تردده وعدم قدرته على حل الإشكالية التي صنعها هو نفسه لدى الحديث عن الماضي المنتصر من جهة وتأسيس العقائد على مفهوم "الاغتراب" من جهة أخرى. ويبدو للباحث أن أبو زيد متعسف في استنتاجه، كأنه يريد أن يقلل من شأن محاولة "تحويل اللاهوت إلى أنتروبولوجيا والإلهيات إلى إنسانيات"، ولسنا ندري وجه اعتراضه على تأسيس العقائد على مفهوم الاغتراب على نحو ما فعل الدكتور حسن حنفي مقتفياً خطا هيغل في قضية الاغتراب وخطا فويرباخ في اعتبار الطبيعة مصدر وحي لا ينقطع.
ومع ذلك يرى أن "الأهم في تأويل اليسار الإسلامي للعقائد (هو) الإصرار على التعامل معها بوصفها تصورات ذهنية تمثل موجهات للسلوك، أكثر من كونها عقائد دالة على وجود مفارق. إن "الله" في مثل هذا التأويل ليس ذاتاً مشخصة لها وجود مفارق للوعي الإنساني، بل هو مبدأ "معرفي" خالص، فكرة محددة، كما هو معروف في المنطق، إنه نموذج أو مثال يمثل سعي الإنسان للوصول إلى المجرد والخالص" (173). معنى ذلك أن الإنسان قد بلغ مرحلة التجريد العقلي وتعرًف المطلق بوصفه حداً بحد النسبي ويحد من شططه وغلوه وغطرسته وحسبان ذاته مطلقاً، فإن من ليس في فكره وفي روحه المطلق يحول نسبيَّه إلى مطلق وذلك هو الاستبداد. الله هو المطلق، هو الخير المطلق والحق المطلق والجمال المطلق؛ إنه الصفر الذي يحمل اللانهاية. من دون الصفر تنهار العمارة الرياضية كلها، ومن دون المطلق ينهار الفكر الإنساني كله.
لا نرى وجاهة في ملاحظة أبو زيد أن اليسار الإسلامي، ممثلاً هنا بالدكتور حسن حنفي، الذي هذا شأنه في تأويل العقيدة، ينحاز إلى الشريعة على حساب العقيدة، التي غدت، وفق هذا التأويل، "نظاماً واقعياً، أساسه في الواقع وهدفه إقامة مصالح الناس، بصرف النظر عن مصدر الوحي ودلالته على وجود ذات مشخصة (ومفارقة) أو على إثبات صفاتها". فإن ما يسميه أبو زيد انحيازاً إلى الشريعة هو نزع القدسية عن الفهم البشري ونزع طابع التمامية والكمال، أي نزع الطابع الميتافيزيقي عن العقل، وتوكيد قابليته للنمو وقدرته على استنباط أو إنتاج نظام واقعي آخر أكثر مصاقبة لمصالح الناس وأكثر قدرة على تلبية حاجاتهم المادية والروحية التي تنمو هي الأخرى بنمو معارفهم وخبراتهم ومقدراتهم وتغير ظروفهم. وإن الانحياز إلى الشريعة، أي إلى فكرة النظام، يعني وجوب أن تكون الشريعة في كل حين موضوعاً للعقل. ولا يظن الباحث أن حاكمية الله عند حسن حنفي، تتعدى مفهوم حاكمية العقل؛ فـ "الله" هو أيضاً العقل المطلق، أو الفكرة الشاملة، بتعبير هيغل، ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لاكتشاف نفس هيغلي ما عند حسن حنفي.
لم لا نعترف من البداية أن العرف والعادة والتقالبد هي شريعة (قانون) الجماعة، حينما كانت عشيرة وقبيلة، وأن الشريعة الدينية، سماوية كانت أم غير سماوية، كانت (قانون) الجماعة الدينية، حينما كانت الحياة تجربة دينية خالصة، من الولادة إلى الموت؟ ومن ثم فإن القانون الوضعي هو سمة جماعة لم تعد عشيرة أو قبيلة، ولم تعد جماعة دينية، مع استمرار وجود العشائر والقبائل والأديان، واستمرار أعرافها وعاداتها وتقاليدها وشرائعها إلى جانب القانون الوضعي، كما هي الحال اليوم في غير مكان. ربما كان المأخذ على حسن حنفي هو اعتبار الشريعة الإسلامية متعدية للزمان والمكان، وصالحة لكل زمان ومكان، بحكم مصدرها الإلهي، ومن ثم عمل العقل يقتصر على التفريع على الأصول، لمراعاة المصالح المرسلة. وحسن حنفي نفسه يعرف أن عقلاً هذه وظيفته ليس عقلاً. فإن المجهود الفكري لما يسمى اليسار الإسلامي هو نتاج "التراخي في المعايير" جراء تغير الأحوال واختلاف الظروف وتطور الوعي الاجتماعي. اليسار الإسلامي هو محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من الدين.
ويرى أبو زيد أن "التأويل الإنساني للعقائد يظل مشروعاً ومنتجاً، خاصة في مجال الربط بين العلم الإلهي والعلم الإنساني وتحويل الأول إلى الثاني من خلال صياغة مفهوم إنساني للوحي، مفهوم يستبعد الميتافيزيقي وينحاز للتاريخي". فإن الإصرار على تاريخية واقعة الوحي من جهة والتمسك بجوهرية دور الفهم الإنساني من جهة أخرى، إضافة إلى ما سبق من تأويل الإلهيات بالإنسانيات، تؤدي كلها إلى تحويل الوحي إلى خبرة بشرية تؤدي إلى تحويل العلم الإلهي إلى علم إنساني في التحليل الأخير. (174 – 175)
وللبحث صلة ..
[1] - د. نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، سينا للنشر، القاهرة، 1992، ص 8. وسنشير إلى الاقتباسات اللاحقة من هذا الكتاب بإدراج رقم الصفحة في المتن
[2] - المصدر نفسه ص 9. ولا ندري كيف استقام عنده تعريف العلمانية على هذا النحو. صحيح أن العلمانية لا تنحل في الإلحاد، ولكنها بالقدر نفسه ليست التأويل الحقيقي للدين، إذ كل فرقة دينية تدعي أنها تحوز هذا الفهم الحقيقي. أما الفهم العلمي فله حديث آخر. هل يدعي أبو زيد أنه يقدم لنا تأويلاً حقيقياً وفهماً علمياً للدين؟
[3] - لا يستقيم التطابق بين تياري الاعتدال والتطرف مع مفهومي الاعتدال والتطرف المختلفين اللذين يحيلان على ظاهرتين مختلفتين، ولعل الأقرب إلى الضبط المنهجي القول بانتقال المعتدل إلى التطرف أو العكس، بحسب الظروف والملابسات التي تدفع إلى التطرف أو تعزز الاعتدال، وإلا فنحن إزاء قطع أي علاقة بين الفكر والواقع. الاعتدال والتطرف ليسا عنصرين في بنية الخطاب إلا لأنهما عنصران في بنية الواقع، وهنا تكمن القيمة الإجرائية لآلية الكشف والإخفاء في أي قراءة، إذ يستند المعتدلون والمتطرفون غلى النص المقدس ذاته، فالواقع هو الذي يفعل في النص لا العكس. والفكر هو الشكل الأكثر تجريداً للواقع العياني. والتطرف والاعتدال ليساً وقفاً على التيولوجيينن بل ثمة تطرف واعتدال في الصف العلماني أيضاً. وقد فات الدكتور أبو زيد أن نفي الاعتدال هو نفي للتطرف.
[4] - راجع المصدر نفسه، ص 83
[5] - راجع المصدر نفسه، ص 93
[6] - هذا الثبات الذي هو مناط التقديس يستبعد الترجمة على ما يبدو.
[7] - ذكر الكاتب قبل هذا أن أي نص محكوم بجدلية الثبات والتغير، فهل الجدلية تعني زوال صفة الثبات ما أن يندرج النص في المجال الإنساني؟