من نحن

اتصل بنا

أعلام التنوير

فكر سياسي

دراسات نظرية

من نحن

الصفحة الرئيسية

 

مـن نـحن

بقلم منير الخطيب

كان سقوط بغداد (9/4/ 2003 ) إعلاناً واضحاً وحاسماً بانتهاء ما أطلق عليه اسم مرحلة "التحرر الوطني"، بكل شعاراتها وراياتها وأهدافها، "القومية" و"التحررية" و"الاشتراكية"... إلخ.

إذ لاحت نُذر هذا السقوط المدوي منذ ستينات القرن الماضي، عندما بدأ الثوريون العرب ينقلبون على مضامين المشروع الإصلاحي لرواد عصر النهضة، الذي أطلقته صدمة الحداثة الكولونيالية، وعلى أهدافه ومفاهيمه.

فما بين غزو نابليون لمصر واحتلال الأمريكيين للعراق عام 2003 مسافة زمنية طويلة، تبلور خلالها مشروعان في المنطقة العربية:

أ ـ المشروع الإصلاحي الذي كان من أبرز رواده محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وشبلي شميل وفرح أنطون... إلخ، وكانت راياته وشعاراته: الحرية، وتحرر المرأة، والدولة الدستورية والنهوض القومي في موجهة سياسة التتريك، والاقتداء بعقلانية الغرب، ومناهضة الاستبداد.

ب ـ المشروع القومي الاشتراكي الذي شكل في جوهره وأهدافه قطيعة مع روح المشروع الأول ومضمونه، أسقط من حساباته قضية التحديث وتعبيراتها الثقافية والسياسية لصالح شعارات الوحدة والاشتراكية وتحرير فلسطين المغتصبة، وبذلك عقد هذا التيار عملية تصالح مع التراث الماضوي، بما يحمله هذا التراث من تأخر واستبداد؛ فأعادت عملية التصالح هذه بعث التاريخ العربي، المملوكي ـ العثماني، ما قبل الكولونيالي، بكل انحطاطه واستبداده، وانتهت إلى قضم التأثيرات والمنجزات "الليبرالية"، الثقافية والسياسية، التي أحدثتها صدمة الحداثة بيسر وسهولة من قبل هذا الانبعاث الجهنمي لقوى الجهالة والتأخر.

في زمن المشروع الإصلاحي كان هناك عرب يبحثون عن طريق للتقدم بالتساوق مع المناخ الكوني وتحت تأثيره، كان هناك أمة تتشكل وطبقات ونخب ثقافية وسياسية ودولٌ تتشكَّل، بعبارة أخرى، لقد وضعت المجتمعات العربية على سكة التقدم.

في الزمن التالي، عودة إلى مناخ الاختلاط والسديمية، وإلى حضن التقليد والماضوية، فعملية تصفية الاستعمار تحولت إلى عملية نزع الحداثة. وقد حدث ذلك كله تحت يافطة الصراع مع الإمبريالية والصهيونية والانحياز إلى المعسكر الاشتراكي في عصر وصف بأن سمته الأساسية هي "الانتقال من الرأسمالية "الاشتراكية".

لذا كانت المسافة بين احتلال نابليون لمصر واحتلال جورج بوش للعراق هي نفسها المسافة بين محمد عبده وأسامة بن لادن وهي نفسها المسافة بين جيل التنويريين والليبراليين العرب وجيل "رجال الأعمال" والأغنياء الجدد الذين نمو في أحضان الدول التسلطية النهَّابة، وهي نفسها المسافة ما بين القومية بوصفها تعبيراً سياسياً وثقافياً عن واقع التعدد والاختلاف، وبوصفها عملاً تاريخياً متجهاً إلى المستقبل ونسيجاً سسيولوجياً حديثاً للداخل المجتمعي، وبين "القومية" بوصفها انثناءً سلبياً على الرسالة الخالدة وحنيناً ماضوياً لعصر ذهبي ولى ولن يعود وانتحاراً جماعياً في مواجهات دونكيشوتية، ومشروع حرب داخلية في الحقبة ما بعد الناصرية.

لأن المسافة بين غزو نابليون لمصر وغزو جورج بوش للعراق كانت كذلك وتضمنت هذا المسار العسير والمكلف فإننا بعد سقوط بغداد نعيد طرح الأسئلة الكبرى وفي مقدمتها سؤال التنوير؟

لماذا سؤال التنوير اليوم؟

لأننا نعتقد أن التناقض المحدد لجميع التناقضات الأخرى في مجتمعاتنا هو التناقض بين قوى الحداثة والديمقراطية والاستقلال من جهة وقوى التأخر والاستبداد والتبعية من جهة أخرى.

فيغدو التنوير بذلك موقفاً عقلانياً منفتحاً على تطور الفكر الإنساني وعلى معطيات الخبرة العملية ومنجزاتها، على جميع الصعد، ومتحرراً من سائر الأطر الأيديولوجية والعقائد الدوغمائية، ويغدو من ثم شرطاً لازماً كي يصبح الدين عصرياً ويتقدم كجوهر روحي ووجدان وضمير وأخلاق ويتراجع كوثنيات وعصبيات ومذاهب وشيع وملل ونحل.

التنوير هو الشرط اللازم كي تصير القوى الدينية والقومية والاشتراكية في مجتمعاتنا قوى للمستقبل، لا قوى للماضي.

كما هو شرط لازم لتفكيك المنظومات الفكرية الأصولية بجعلها ترى حقيقتها كما هي بدلالة الواقع والتاريخ، لا بدلالة أوهامها الإيديولوجية ورغباتها وشعاراتها وأهدافها الذاتية.

وهو الشرط اللازم كي تغادر مجتمعاتنا منطق الحرب الداخلية، القائم على مبدأ الاستئثار بـ "الحقيقة" وفرضها على الآخرين بالعسف والتسلط،، والاقتراب إلى منطق السياسة الحديث بمعناها المديني، بوصفها نقيض منطق الحرب الداخلية وكونها المجال العام المشترك بين جميع المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والطائفية والدينية والقومية إلخ)

وبهذا المعنى فإن التنوير هو مقدمة لتلمُّس أسس ومفاهيم الدولة الحديثة التي هي التعبير الذاتي عن واقع التعدد والاختلاف.

والتنوير هو مقدمة الديمقراطية في المجتمعات المتأخرة وضمانة عدم تحولها إلى أداة لسيطرة الحركات الشعبوية والانقلاب على مضامينها ومنطوياتها، وهو الرافعة التاريخية لتجاوز مجتمعاتنا حالات "ديمقراطيات" التوافق الطوائفي والأقوامي الذي يلغي مضمونها العصري والحديث.

والتنوير هو البدوة التي لا بد منها كي تتصالح شعوبنا ومجتمعاتنا مع روح العصر وتخرج من وهدة التأخر وحالة التغني بأوهام الخصوصية والرسالة الخالدة تلك التي لا تصنع تاريخياً وتقدما، بل خروجاً من العالم والتاريخ.

لذلك كله نعتقد أن سؤال التنوير لا يزال راهناً ويكتسي مشروعية تاريخية وأخلاقية ووجدانية ومعرفية، ولأجل ذلك نحن في موقع السؤال منحازون إلى الفكر التنويري وإلى منظومة الحداثة وإلى المفاهيم الناظمة لهما، لذا نحن منحازون إلى:

خط التقدم الإنساني، فلم يعد التقدم بعد سقوط الأقنعة الإيديولوجية شعاراً ذاتوياً يرفعه هذا الحزب أو ذاك ويتلطى به القادة "التاريخيون"، بل هو سياق واقعي للعمل والإنتاج المادي والروحي يحدد فعلياً موقع المجتمع المعني في الجملة الكونية، فالمحرز الأوربي الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي تم بفعل النهضة البورجوازية وارتدى صفة عالمية أصبح المعيار الذي يفصل بين العالم المتقدم والعوالم التي لا تزال تعاني من استلابات الفوات التاريخي، لذا فإن خط التقدم البشري هو الخط الذي يحدد آليات انتقال المجتمعات المتأخرة من واقع الاستهلاك إلى واقع الإنتاج الاقتصادي والثقافي والروحي، من واقع التأخر التاريخي إلى دروب المعاصرة والحداثة التي أصبحت معياراً كونياً أخرجت مفهوم التقدم من التوصيفات الذاتوية والخصوصية ليصبح مفهوماً عالمياً وموضوعياً بامتياز.

التقدم، كما يقول الياس مرقص، حركة ذهاب إلى الأمام، هو انتقال من طور إلى طور أرقى، وعكسه التراجع والتقهقر، في التاريخ البشري هناك حالات تقدم وحالات ركود وحالات تقهقر وتراجع. التقدم ليس تابعاً لكثرة الحركة، في الواقع الاجتماعي والتاريخي يمكن أن تكون "الحركة" كثيرة، (حروب، ثورات، انتفاضات) بدون أن يكون هناك تقدم، بل يمكن أن تكون هناك ثورات كبيرة جداً ومنتصرة بدون أن يؤدي ذلك إلى تقدم.

التقدم هو نمو الإنتاجية، غير أن هذا النمو هو أيضاً نمو القدرة التدميرية: القرن العشرون شهد حربين عالميتين والعالم يعيش تحت خطر الحرب الدائمة، الأزمات تشتد، المجاعات تستفحل، تلوث البيئة يتفاقم، ثروات الأرض تسير في طريق النفاد، الإنسان المعاصر ينتكس إلى إنسان الأخذ والتخريب.

هذا يؤدي إلى تنامي الاستلاب على المستوى الكوني، البشر مطالبون، أكثر من أي وقت مضى، بوضع حد لنتائج أعمالهم ومطالبون بالسيطرة على / وتقليص الجانب الآخر للتقدم كي يصبح متسقاً مع الإنسان المفترق عن الطبيعة والذي له تاريخ ليس تاريخ الطبيعة وليس التاريخ البيولوجي، ومتسقاً مع جوهر الحرية بوصفها قدرة الإنسان تجاه الطبيعة وتجاه ذاته.

ونحن منحازون إلى العقلانية: بوصفها وعي منطلق الواقع والتاريخ فللواقع منطق مختلف عن "منطق" الجماعات والأفراد والأحزاب والطوائف والقبائل والقوميات، الواقع مشكل من "ذوات" أخرى متعددة؛ إدراك جوهر هذا الاختلاف والتعدد والتغاير في الجملة الواقعية ينتمي إلى دائرة العقلانية ويتعارض على طول الخط مع الرؤية الإيديولوجية ـ الحصرية ـ والتجريبية ـ الدوغمائية التي تظن أنها تبدأ من الواقع فتنتهي فعلياً بتبديده في مجردات أثيرية تسميها "القوانين"، هذه الرؤية الذاتوية تتعامل مع الواقع بوصفه مادة للتحريك أو الملاعبة، العقلانية توجب على الفكر الانطلاق من لوحة الواقع المعقدة لإنشاء صورته الأخيرة كما هي بدون مسبقات وأوهام ثم العودة إليه ثانية بعد هذا الاغتناء لإنشاء صورته الجديدة، وهكذا دواليك، المعرفة التي تعي ذاتها تدرك أن غايتها هي معرفة الواقع وأنها ليست الإيديولوجيا وأن الواقع ليس المحسوس والمباشر، المحسوس والمباشر ليس إلا مستوى أولي في المعرفة، المعرفة الحقة يجب أن ترتكز على المنطق وهي التي تعترف بمنطق الواقع وذاتيته.

نحن مع هذه العقلانية في مواجهة النهاجية الإيمانية ـ المانوية التي يتمحور عليها الوعي العربي السائد على اختلاف تلاوينه واتجاهاته والتي تبرز لنا مدى راهنية التحدي الذي هو تحد منهجي بامتياز إضافة لكونه تحدياً سياسياً اجتماعياً ثقافياً واقتصادياً، لزحزحة هذه العقلية التمامية والإقصائية المؤسسة للاستبداد، والتأسيس لمشروع عقلنة الوعي العربي ودمقرطته.

ونحن منحازون إلى الليبرالية والديمقراطية مع تمييزنا الحاسم بين ليبرالية القرنين: السابع عشر والثامن عشر، التي حاربت بها البورجوازية الصاعدة آنذاك أفكار المجتمع الوسطوي ومؤسساته وتعبيراته، وبين الليبرالية الاقتصادية المرتبطة بحرية السوق الجهنمية والتي انتكست عن جذورها التنويرية والأخلاقية. فالديمقراطية وحدها تنصف الليبرالية، كما يقول الياس مرقص. الليبرالية كانت مرحلة تاريخية ومنطقية في مواجهة التقليد والفكر الماضوي بكل أشكاله تقيم حداً على الديمقراطي وتحميها من النزعات الشعبوية والكدحانية. كما أن الديمقراطية ببعدها الاجتماعي والشعبي تقيم حداً على الليبرالية وتمنع تحولها إلى أوليغارشية نخبوية.

ولأننا منحازون إلى الليبرالية والديمقراطية فنحن منحازون إلى دولة الحق والقانون بدون أية تسميات إيديولوجية أخرى ولأننا نعتقد أنه لا دولة ديمقراطية إذا لم تكن أولاً دولة حق وقانون.

لا ديمقراطية بدون دولة

ولا ديمقراطية مع اللادولة

لأن اللادولة هي الفوضى والعسف والاستبداد وهي مخلوطة دول طوائف وقبائل وعشائر."

دولة الحق تعني أولاً سمو القانون وسيادته، وتساوي جميع المواطنين أمامه بغض النظر عن انتماءاتهم.

ولأننا مع العقلانية والليبرالية والديمقراطية ودولة الحق والقانون فنحن حكماً مع العلمانية لا بوصفها شعاراً سياسياً "فصل الدين عن الدولة" فحسب، بل بوصفها "سيرورة تقدم في التاريخ والمعرفة نحو استعادة الإنسان ذاته والقضاء على استلابه الذاتي بأشكاله المقدسة وغير المقدسة وتحقيق حريته إزاء الطبيعة والمجتمع".

العلمانية شرط نشوء المجتمعات والدول الحديثة، لأنها شرط المواطنة المتحررة من استلابات الانتماءات ما قبل المدنية والمتجاوزة حالة التحاجز والتكسر المجتمعي الذي يمنع تحقيق ثنائية مجتمع مدني / دولة وطنية حديثة.

ولأننا مع كل ما سبق فنحن حكماً منحازون أيضاً إلى فكرة ومفهوم المجتمع المدني بوصفه التعبير الواقعي عن وحدة الاختلاف وكونه الأساس الموضوعي لدولة الحق والقانون والمجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يتيح الانتقال من حالة العطالة إلى وضعية الإنتاج بكل مضامينه ويتيح تحقيق المواطنة وسيادة القانون وحرية الأفراد وتساويهم أمامه.

وأخيراً فإننا نطمح إلى أن يحتل موقع "سؤال التنوير" حيزاً متواضعاً في الساحة الثقافية العربية ليسهم مع غيره في إرساء مقدمات عقلنة الفكر العربي ودمقرطته وتحديثه.

هيئـــــة التـحرير:

 سامر العطري

منير الخطيب

جاد الكريم الجباعي

 

 

 

مواقع ذات صلة:

   

الفكر النقدي  www.jebaie.com

   
 

 

 

الصفحة الرئيسية / أعلام التنوير / دراسات نظرية / فكر سياسي / من نحن / مقالات / دراسات اجتماعية واقتصادية / وثائق / الأرشيف / اتصل بنا

جميع المواد المنشورة على هذا الموقع تعبر عن وجهات نظر كتابها